لم تنم روز تلك الليلة.
كانت الورقة الصغيرة ما تزال بين يديها، والاسم المكتوب عليها يطارد أفكارها بلا رحمة.
اسم والدها، وسط وثائق مرتبطة بحادث قديم. حادث ارتبط بوفاة والدتها، وبعائلة علي.
كلما حاولت ترتيب الأحداث ازدادت فوضى، وكلما بحثت عن إجابة ظهرت أسئلة جديدة.
في صباح اليوم التالي، طلبت روز مقابلة والدها.
لأول مرة منذ سنوات شعرت بالخوف من الحديث معه.
جلس الرجل خلف مكتبه في مقر شركة الأدوية، وعندما رآها أدرك فوراً أن شيئاً ما حدث.
قال بهدوء:
"ما الأمر؟"
وضعت الملف أمامه، فتغيرت ملامحه فوراً، ثم اختفت ابتسامته تماماً.
شعرت روز بأن قلبها يهبط إلى أسفل..همست:
"إذن أنت تعرف."
أغلق الملف ببطء، وظل صامتاً عدة ثوانٍ..قبل أن يقول:
"كنت أتمنى ألا تعرفي هذه القصة أبداً."
بدأت الحقيقة تظهر أخيراً. قبل أكثر من عشرين عاماً، كانت هناك شراكة تجارية كبيرة جمعت بين والد علي
ووالد جون توم وعدد من المستثمرين، وكان والد روز يعمل معهم بصفة استشارية. لكن المشروع انتهى بكارثة مالية.
وخسائر ضخمة، واتهامات متبادلة، وانهيار علاقات استمرت سنوات طويلة، ومنذ ذلك اليوم تفرقت العائلات.
وبدأت العداوات.
قالت روز بصدمة:
"وما علاقة أمي بالأمر؟"
ساد الصمت..ثم أجاب والدها:
"لا علاقة مباشرة."
"إذاً لماذا ذُكر اسمها؟"
نظر إليها بحزن.
"لأن والدتك حاولت كشف الحقيقة."
تجمدت روز.
"ماذا؟"
"كانت تعتقد أن أحد الشركاء أخفى معلومات مهمة."
"ومن هو؟"
لكن والدها لم يجب، بل نهض واتجه نحو النافذة، وكأنه ما زال يخشى قول الاسم.
خرجت روز من الشركة أكثر حيرة من أي وقت مضى.
كانت تعرف الآن أن الجميع يخفون شيئاً، والدها، جون، عائلة علي، وحتى علي نفسه.
لكنها لم تعد تعرف من يكذب ومن يقول الحقيقة.
في الجامعة، كان علي ينتظرها.
بدا عليه القلق منذ اللحظة التي رآها فيها.
اقترب منها.
"هل أنت بخير؟"
نظرت إليه بصمت..ولأول مرة شعرت أنها لا تعرف ماذا ترى عندما تنظر إلى عينيه.
هل ترى الشخص الذي بدأت تحبه؟ أم ترى جزءاً من الماضي الذي دمّر حياة عائلتها؟
قال علي بهدوء:
"روز..."
قاطعتْه.
"هل كنت تعرف كل شيء؟"
تنهد.
"ليس كل شيء."
"لكنك كنت تعرف شيئاً."
"نعم."
"ولم تخبرني."
أخفض رأسه للحظة، ثم قال:
"لأنني كنت أخشى خسارتك."
شعرت بشيء يهتز داخلها، لكن الغضب كان أقوى. فاستدارت وغادرت، وتركت علي واقفاً وحده.
مرت الأيام التالية ببطء.
وأصبحت المسافة بينهما أكبر من أي وقت مضى، رغم أنهما ما زالا يعملان على مشروع المسابقة.
كان الحديث بينهما مقتضباً، والنظرات قليلة، والصمت طويلاً. لكن شيئاً آخر بدأ يحدث.
كلما ابتعدت روز عن علي...ازدادت اشتياقاً إليه، وكلما حاولت إقناع نفسها بأنها تكرهه...تذكرت ابتسامته.
وكلماته، ولحظاتهما معاً.
في هذه الأثناء، عاد جون للظهور مجدداً.
وكان أكثر إصراراً من السابق.
قال لها أثناء لقائهما:
"أخبرتك أن تبتعدي عنه."
"لم تخبرني الحقيقة كاملة."
"لأنك لم تكوني مستعدة لها."
"وما الحقيقة؟"
نظر إليها مباشرة، وقال:
"والد علي ليس بريئاً كما تظنين."
شعرت روز بالتوتر.
"هل لديك دليل؟"
ابتسم جون ابتسامة غامضة "قريباً.".
بعد أيام قليلة، أقيمت المرحلة النهائية من المسابقة الجامعية.
وكان على فريق علي وروز تقديم مشروعهما أمام لجنة تحكيم كبيرة. رغم الخلاف بينهما، قدما عرضاً ممتازاً.
وتعاونا باحترافية كاملة، وكأن شيئاً لم يحدث، وعندما انتهى العرض وقف الجميع مصفقين. لكن فرحتهما لم تكتمل.
فور خروجهما من القاعة، تلقى علي اتصالاً هاتفياً.
استمع لثوانٍ فقط، ثم شحب وجهه.
قال بصوت منخفض:
"ماذا؟"
شعرت روز بالخوف.
"ماذا حدث؟"
نظر إليها، وكان الذهول واضحاً في عينيه.
"جدي..."
ثم توقف.
"جدي اختفى."
تجمدت في مكانها.
"ماذا تقصد اختفى؟"
"غادر المستشفى صباح اليوم ولم يعد."
شعرت روز بقشعريرة تسري في جسدها، لأنها تذكرت شيئاً فوراً، شيئاً ذكره والدها أثناء حديثهما.
كان جد علي أحد الأشخاص القلائل الذين عرفوا الحقيقة الكاملة حول أحداث الماضي.
بدأ البحث عنه فوراً.
لكن الساعات مرت دون نتيجة، والقلق ازداد، وفي المساء، تلقى علي رسالة مجهولة.
فتحها بيد مرتجفة، ثم اتسعت عيناه. أخذت روز الهاتف منه بسرعة، وقرأت ما كُتب.
كانت الرسالة قصيرة، لكنها كانت كافية لتغيير كل شيء.
"إذا أردت رؤية جدك حياً... أحضر الملف الأصلي."
أسفل الرسالة كان هناك توقيع واحد فقط. اسم شخص لم يكن أي منهما يتوقعه. روبرت توم.
والد جون، والرجل الذي ظنا أنه اختفى من القصة منذ سنوات. لكن الحقيقة كانت أنه لم يختفِ أبداً...
بل كان يقف خلف كل شيء منذ البداية.