Qaed

شارك على مواقع التواصل

ساد الصمت داخل الغرفة القديمة.
كانت عينا روز معلقتين بجد علي. الرجل الذي اعتقد الجميع أنه مختطف، والذي ظهر الآن أمامهم
وكأنه خرج من قلب اللغز نفسه.
أما علي فكان عاجزاً عن الكلام. كل ما حدث خلال الأسابيع الماضية أصبح فجأة موضع شك.
قال الجد بهدوء:
"اجلسا."
لم يتحرك أي منهما.
فأضاف:
"لقد انتظرتم الحقيقة طويلاً، وحان وقت سماعها."
جلس الثلاثة داخل الغرفة الصغيرة.
وبدأ الجد يتحدث، ببطء، وكأنه يحمل حملاً ثقيلاً منذ سنوات طويلة.
قال "قبل أكثر من عشرين عاماً كنا أربعة شركاء، أنا، ووالد علي، وروبرت توم، والرجل الرابع."
توقفت أنفاس روز..لأنها تعلم أن الاسم التالي سيغير كل شيء.
لكن الجد أكمل:
"لم يكن مشروعاً عادياً، بل مشروعاً ضخماً سيغير مستقبل شركاتنا جميعاً. في البداية سارت الأمور بشكل ممتاز.
ثم بدأ المال يختفي، ببطء، ومن دون أن يلاحظ أحد."
قال علي:
"من كان يسرق الأموال؟"
نظر الجد إليه مباشرة، ثم أجاب:
"الرجل الرابع."
"من هو؟"
ساد الصمت..ثم نطق بالاسم أخيراً. اسم لم يكن أي منهما يتوقعه.
شعرت روز بأن الأرض اختفت من تحت قدميها، أما علي فوقف فجأة من مكانه، غير مصدق.
لأن الرجل الرابع لم يكن شخصاً غريباً، ولم يكن منافساً تجارياً، بل كان...مدير شركة الأدوية السابق
وشريك والد روز القديم. الرجل الذي عمل إلى جانب والدها سنوات طويلة، والذي اعتبرته العائلتان صديقاً مقرباً.
همست روز:
"مستحيل..."
أومأ الجد بحزن.
"للأسف هذه هي الحقيقة."
"لكن لماذا؟"
"لأنه أراد السيطرة على كل شيء، وعندما اقترب الآخرون من اكتشافه...بدأ بتدمير الجميع."
سألت روز بصوت مرتجف:
"وأمي؟"
أغمض الجد عينيه للحظة..ثم قال:
"والدتك كانت أذكى من الجميع."
ساد الصمت..وأكمل:
"لقد اكتشفت الأدلة، واحتفظت بنسخ منها، وكانت تنوي كشف الحقيقة."
شعرت الدموع تملأ عيني روز. لكنها أجبرت نفسها على الاستماع.
قال الجد:
"لم تُقتل والدتك، لكنها تعرضت لضغوط وتهديدات كبيرة، وبعد فترة قصيرة تعرضت لحادث السيارة.
صحيح أننا لم نستطع إثبات أن الحادث مدبر...لكننا لم نؤمن يوماً بأنه مجرد صدفة."
انخفض رأس روز، وبدأت دموعها تنهمر بصمت.
لأول مرة تعرف ما حدث فعلاً، ولأول مرة تشعر بقرب والدتها منها.
اقترب علي منها، ووضع يده فوق يدها بهدوء. لم يقل شيئاً، لكن وجوده وحده كان كافياً.
رفعت رأسها نحوه، والتقت عيناهما، وفي تلك اللحظة أدركت شيئاً مهماً.
طوال هذا الوقت لم يكن علي عدوها، بل كان يقاتل معها في المعركة نفسها.
بعد ساعات من الحديث، ظهرت الصورة الكاملة أخيراً.
اختفاء الجد لم يكن اختطافاً، بل كان متعمداً. اختبأ بنفسه عندما شعر أن هناك من يراقبه، وكان يحاول الوصول
إلى الأدلة الأخيرة دون أن يلفت الانتباه.
أما جون...فلم يكن عدواً أيضاً، بل كان يحاول كشف الحقيقة بطريقته الخاصة.
قال جون:
"كنت أخشى أن أثق بأحد، ولهذا ارتكبت أخطاء كثيرة."
نظرت إليه روزن ورأت لأول مرة التعب الحقيقي في عينيه. لم يكن شريراً، بل ضائعاً مثلهم.
لكن المشكلة الكبرى بقيت قائمة.
الرجل الرابع ما زال حراً، وما زال يملك النفوذ والمال، وما زال قادراً على الهروب.
في تلك الليلة قرروا تسليم الأدلة إلى الجهات المختصة.
لكن قبل تنفيذ الخطة بساعات، حدث ما لم يكن في الحسبان، وصلت رسالة عاجلة إلى هاتف علي.
فتحها بسرعة، ثم شحب وجهه.
سألته روز:
"ماذا حدث؟"
رفع الهاتف نحوها، وكانت الرسالة تحتوي على صورة واحدة. صورة لوالد علي، وهو مقيد داخل مستودع مجهول.
أسفل الصورة كُتبت عبارة قصيرة "إذا وصلت الأدلة إلى الشرطة... فلن تراه حياً مرة أخرى."
شعرت روز بالبرد يسري في جسدها، أما علي فقبض يديه بقوة. لقد تحول الأمر إلى حرب مفتوحة.
بعد دقائق غادر الجميع المكان.
وبقي علي وروز وحدهما للحظات. كانت السماء مظلمة، والهواء بارداً، والمستقبل غامضاً أكثر من أي وقت مضى.
قال علي بصوت منخفض:
"ربما كان يجب ألا أقترب منك منذ البداية."
نظرت إليه بدهشة.
"لماذا؟"
"لأنك أصبحتِ في خطر بسببي."
اقتربت خطوة واحدة.
وقالت:
"لا."
رفع عينيه نحوها.
فأكملت:
"أنا هنا لأنني اخترت أن أكون هنا."
ساد الصمت..ثم ابتسم لأول مرة منذ أيام، ابتسامة صغيرة، لكنها حقيقية.
نظر إليها طويلاً..ثم قال أخيراً
"هناك شيء أردت قوله منذ أول يوم التقينا فيه تقريباً."
شعرت روز بأن قلبها يخفق بقوة..هذه المرة لم يرن أي هاتف، ولم يقاطع أحد اللحظة.
اقترب منها قليلاً، وقال:
"أحبك يا روز."
توقفت أنفاسها، وشعرت بأن العالم كله اختفى حولها. لم يبقَ سوى صوته، وصدى الكلمات داخل قلبها.
ابتسمت وسط دموعها، وقالت بصوت خافت:
"وأنا أحبك يا علي."
ولأول مرة منذ بداية القصة...اختفت الأسرار، واختفت المسافات، وبقي الحب وحده.
لكن المعركة الأخيرة...لم تبدأ بعد.
0 تصويتات

اترك تعليق

التعليقات

اكتب وانشر كتبك ورواياتك الأصلية الأن ، من هنا.