في قلب الكويت، وتحت سمائها التي تفيضُ سكينة، كانت وتين تعيشُ طفولةً أشبه باللوحات الملونة بالرفاهية. ولدت في قصر العائلة الفخم كـ "آخر العنقود" والابنة الوحيدة المدللة بين أخوين أكبر سناً. لم يكن والدها مجرد رجل أعمال ناجح، بل كان السند والرمز، يحيطها بعالمٍ يمزج بين الثراء المادي والدفء الأبوي. في هذا القصر، لم تكن وتين تعرفُ من العالم سوى الحب والعلاقات الاجتماعية الوثيقة التي جعلت من حياتها بستاناً يفيضُ بالأمان.
وفي البيت المجاور، كان مشعل ينمو بجانبها. لم يكن مجرد ابن جيران، بل كان "فارسها الصغير" ورفيق خطواتها الأولى. عائلته التي ارتبطت بصداقة عميقة مع والدة وتين، جعلت منهما روحاً واحدة في جسدين. تذكرُ وتين جيداً كيف كانت عيناه السوداوان تراقبانها بحرص وهي تلعب، وكيف كان شعره الداكن ينسدل بتمردٍ على جبينه، معلناً منذ الصغر عن شخصيةٍ قوية وحامية.
جاءت نقطة التحول في صيف لبناني، وتحديداً في قصر هم المطل على صيد &دا التاريخية. كانت الأجواء مشحونة بمرارة الوداع؛ في عائلة مشعل قررت الانتقال للعيش في لبنان بصفة دائمة. هناك، وتحت ظلال الياسمين، أمسك مشعل بيد وتين الصغيرة، ونطق كلمات لم تكن مجرد وداع، بل كانت "ميثاقاً" نُقش في روحها:
"حبيبتي وتين، لا تخافي أبداً.. حتى لو فرقتنا الأيام، قلبي سيعرفكِ أينما كنتِ.. سأحميكِ وسأعود إليكِ."
رحل مشعل، ورحل معه بريقٌ خاص من طفولتها، لكن كلماته بقيت "خريطة طريق" لقلبها الصغير. مرت السنوات، وكبرت وتين وكبر معها طموحٌ لا يحده سكون. حلمت بأن تكون مصممة أزياء عالمية، وبما أن الكويت في عام 1930 لم تكن تضم جامعات لهذا التخصص، شقت طريقها بجرأة وبدعمٍ من والدها نحو لبنان، لتلتحق بمعهد (إسمود الباريسي للأزياء).
كانت سنوات الدراسة في لبنان مضنية، تطلبت منها صبراً و**"هدوءاً قوياً"** لتثبت جدارتها. هناك، وسط الأقمشة والرسوم، نجحت وتين في نقش اسمها بمدادٍ من ذهب في عالم الموضة الساحر، محولةً شغفها إلى واقعٍ ملموس. وفي عام 1942، عادت وتين إلى أرض الوطن، الكويت، وهي تحملُ فخر النجاح وشهادة العالمية. كانت تشعر بأنها حققت ذاتها، لكن القدر كان يخبئ لها اختباراً لم يكن في الحسبان؛ إذ اضطرت العائلة مجدداً للرحيل إلى لبنان بسبب أعمال والدها. لم تكن تعلم أن هذه العودة، التي بدأت بخطوات واثقة، ستكون هي الباب الذي تخرج منه نحو "الكارثة" التي ستغير ملامح حياتها للأبد.
ميثاق الأرواح في صيدا
وعلى مقربةٍ من ذاك الدلال، كان ينمو مشعل؛ ابن الجيران الذي لم يكن بالنسبة لوتين مجرد رفيق طفولة، بل كان "فارسها الصغير" الذي نصب نفسه حامياً لخطواتها الأولى. وبحكم الصداقة العميقة التي جمعت والدتيهما، ترعرع الطفلان كظلين لا يفترقان؛ حيثما وُجدت براءة وتين، وُجد وقار مشعل المبكر. كانت عيناه السوداوان، الواسعتان كليل الكويت، تلاحقان وتين بصمت وهي تلهو، بينما كان شعره الداكن ينسدل بتمردٍ عفوي على جبينه، كأنه يرفض الخضوع لأي قانون سوى قانون حمايتها.
لكن الأقدار لا تسير دائماً على إيقاع الطفولة الهادئ. ففي إحدى الإجازات الصيفية، وتحت سماء لبنان التي كانت تشهدُ ميلاد حزنها الأول، وفي قصرهم المشرع على بحر "صيدا" العريق، وقف مشعل ليعلن الوداع المر. كانت عائلته بصدد الاستقرار النهائي في لبنان، وكان عليه أن يترك شطر روحه في الكويت.
في تلك اللحظة التي سكن فيها كل شيء إلا دقات قلوبهما، أمسك مشعل بيد وتين الصغيرة، وضغط عليها برفقٍ يفيض بالرجولة المبكرة. وبنبرةٍ لم تكن تعرف الارتجاف، بل تحمل وعداً يقطع المسافات ويخترق حجُب الغيب، قال لها:
"حبيبتي وتين.. لا تخافي أبداً. حتى لو باعدت بيننا الدروب، وفرقتنا الأيام، قلبي سيعرف نبضكِ أينما كنتِ. سأحميكِ.. وسأعود إليكِ."
بقي هذا الوعد معلقاً في هواء صيدا، ونُقش في قلب وتين كـ "خريطة طريق" لا تحيد عنها. رحل مشعل في ذلك اليوم، وأخذ معه جزءاً من بريق طفولتها العابثة، ليترك مكانها يقيناً هادئاً وقوياً بأن اللقاء قادم، مهما طال الغياب.
غُربة الإبداع وعودةُ القدر
مرت السنين مسرعة كأنها لمحاتٌ من ضوء، وكبرت وتين وكبر معها حلمٌ لا تحده جدران القصور. بعدما طوت صفحة دراستها الثانوية بتفوق، كان شغفها يشتعلُ في أعماقها: أن تصبح مصممة أزياء عالمية، تحيكُ من خيوط الحرير قصصاً وجمالاً.
ولأن الكويت في تلك الحقبة (عام 1930) لم تكن تحتضنُ معاهد لهذا الفن الرفيع، لم يقف والدها حائلاً أمام طموحها؛ بل دفعها بجناحي نفوذه ودعمه اللامحدود نحو لبنان، لتلتحق بمعهد (إسمود الباريسي للأزياء) ذائع الصيت. كانت تلك السنوات في الغربة اختباراً حقيقياً لصلابتها، حيث عاشت صراعاً بين قسوة الدراسة وبين حنينها لـ "وعد مشعل" الذي لم يغادر مخيلتها لحظة. لكن وتين، بروحها المثابرة و**"هدوئها القوي"**، استطاعت أن تنحت اسمها ببراعة في هذا العالم الساحر، محولةً كل تعبٍ إلى فساتين تنبض بالرقي والرفعة.
بحلول عام 1942، عادت وتين إلى أرض الوطن، الكويت، وهي تحملُ في جعبتها شهادات النجاح وفخر الإنجاز كـ "صوت كويتي معاصر" أثبت أن الفتاة الكويتية قادرة على غزو العالم بإبداعها. كانت تظن أن مرساها قد استقر أخيراً بين أهلها، لكن سكون الأيام لم يدم؛ إذ اقتضت مصالح والدها وتجارته العودة مجدداً إلى لبنان. لم تكن تلك العودة في نظر وتين مجرد رحلة عمل، بل كانت تدق في قلبها أجراس قلقٍ غامض.. كانت هي نقطة التحول الكبرى، والخطوة الأولى نحو الكارثة التي ستنتزع منها كل ألوان السكينة، لتضعها وجهاً لوجه مع "سموم الغدر".