albirinsisahqamar

Share to Social Media

بعد مرور شهرٍ على ذاك الزفاف الصامت، بدأت وتين في تنفيذ "المرحلة الثانية" من حربها الباردة. غادرت شرنقة الحزن لتدخل عالم المال من أوسع أبوابه، ولكن بـ "قناع" جديد. توجهت إلى مقر شركتها "الملكة"، حيث كان في انتظارها "عماد"؛ الصديق الوفي والوحيد الذي ائتمنته على سرها الكبير.
اتفقت وتين مع عماد على خطة محكمة: هو سيكون "الواجهة" والمدير العام الذي تتركز عليه الأضواء، بينما تبقى هي العقل المدبر الذي يعمل في الخفاء، تحيكُ الصفقات وتصدر الأوامر من وراء الكواليس، لكي لا يربط أحدٌ بين "وتين المنكسرة" وبين "الملكة" التي بدأت تكتسح السوق بضرباتٍ استراتيجية موجعة لأعدائها.
أما في المنزل، فقد كانت وتين تمارسُ نوعاً آخر من التخطيط. لكي تمنع مشعل من التغلغل في تفاصيل حياتها أو الشك في خروجها المتكرر، بدأت تفتعل المشاكل والخلافات الصغيرة ببراعة؛ كانت تصنع من "اللاشيء" حواجز عالية، وتتخذُ من نبرات الصوت الحادة سلاحاً لتصنع مسافةً تمنع مشعل من الاقتراب.
كانت علاقتهما باردة كالثلج، وجافة كصحراءٍ لم يلامسها المطر منذ سنين. لم يكن يجمعهما سوى "المسرحية" التي يؤديانها ببراعةٍ أمام العائلتين؛ حيث يرتديان أقنعة الاحترام الشكلي والسكينة المزيفة، وبمجرد أن يُغلق عليهما باب الغرفة، يعود كل منهما إلى خندقه، وتين إلى "ملكتها" وانتقامها، ومشعل إلى صمته الغامض وبروده الذي بدأ يثير في نفس وتين تساؤلاتٍ لم تجد لها إجابة بعد.
استردادُ العرش وعودةُ الخصم ذليلاً
مرت سنةٌ كاملة، كانت فيها "الملكة" تنمو كإعصارٍ صامت، يبتلعُ العقود الكبرى ويفرضُ هيمنته على السوق، بينما كان محمود —الذئب الذي ظن أنه امتلك العالم— يراقبُ إمبراطوريته وهي تتآكلُ أمام ضرباتٍ مجهولة المصدر. كان يخسرُ العقود الضخمة واحداً تلو الآخر، وكأن يداً خفيةً كانت تسحبُ البساط من تحت قدميه ببراعةٍ متناهية.
وصلت الأنباء إلى وتين، في مخبئها السري خلف اسم شركتها، أن محمود قد ضاق به الخناق، لدرجة أنه اضطر لعرض شركة والدها المسروقة في الكويت للبيع في مزادٍ علني لاسترداد بعض سيولته المنهارة. في تلك اللحظة، شعرت وتين بانتصارٍ أوليٍّ يغسلُ بعضاً من أوجاعها؛ لقد حانت لحظة استعادة القطعة الأولى من كيان عائلتها الممزق.
دخلت وتين المزاد عبر واجهتها "عماد"، وبقوةٍ مالية لا تُقهر، سحقت كل المنافسين واسترجعت شركة والدها تحت اسم "الملكة". لم يكن محمود يدرك أن الفتاة التي سلبها كل شيء، هي نفسها التي اشترت منه اليوم أنقاض غدره.
وبعد هذه الخسارة المدوية في الكويت، اضطر محمود للعودة إلى لبنان، محاولاً لملمة ما تبقى من أملاكه المبعثرة هناك. لم يكن يعلم أن عودته هذه هي بالضبط ما كانت وتين تنتظره؛ فالفخ قد نُصب، والملكة قد أعدت له في بيروت استقبالاً يليقُ بخيانته. كانت وتين تراقبُ أخبار عودته بـ "هدوءٍ قوي"، بينما كانت نيران الانتقام في صدرها تتهيأ للانفجار الأخير، وهي تدرك أن المواجهة لم تعد مجرد أرقامٍ في البورصة، بل أصبحت مواجهة "وجهاً لوجه".
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.