albirinsisahqamar

Share to Social Media

في تلك الليلة الباريسية التي غسلها المطر، نام مشعل إلى جانب وتين لأول مرة بقلبٍ خالٍ من الأسرار والشكوك. كان يهمس لها بين الحين والآخر بوعودٍ قاطعة، واعداً إياها بأنه لن يترك يدها أبداً، وأن قصر الحزن قد احترق ليُبنى مكانه قصرٌ من الوفاء.
ومع ذلك، لم يكن طريق العودة لقلب "الملكة" مفروشاً بالورود. فعلى مدار ستة أشهر كاملة، مارست وتين نوعاً من "العناد الجميل"؛ افتعلت المشاكل، ووضعت العراقيل، وأظهرت له وجهاً قاسياً أحياناً، لم يكن ذلك كرهاً، بل كان اختباراً أخيراً لتتأكد: هل يحب مشعل "وتين القوية" التي أصبحت عليها، أم أنه يحن فقط لسراب "المدللة" القديمة؟
عادت وتين إلى فرنسا للتحضير لعرض أزياء عالمي جديد، هاربةً من مشاعرها التي بدأت تلين. لكن مشعل، الذي تعلم الدرس جيداً، لم يتأخر. لحق بها إلى باريس، وفي لحظةٍ عاصفة بالمشاعر، أمسكها بقوة بين يديه، ونظر في عينيها بـ "إصرار عاشق" أضناه الشوق، وقال بصوتٍ هزّ كيانها:
"كفى يا وتين.. كفى هروباً وعناداً! أنتِ تعرفين يقيناً كم أحبك، وتعرفين أنني لن أستطيع التنفس بدونك. لقد انتهت الحرب، وانتهت الاختبارات.. حان الوقت لنعيش لنا فقط."
فجرت وتين كل ما في قلبها من مخاوف، صرخت بصوتٍ مزيجٍ من الحب والألم:
"نعم أحبك، لكني خفت أن أكون لك وتهجرني.. خفت أن يظل زواجنا مجرد حبر على الورق، وأن أكون مجرد ذكرى عابرة في حياتك كما كنتُ دائماً!"

لم يتركها مشعل تكمل، بل قاطعها بإصرارٍ وعاطفة جياشة، مقترباً منها أكثر ليمسك يديها:
"أنا لم أعد ذاك الرجل الذي عرفتِه يا وتين. أنا مختلف الآن.. أنا أريدكِ أنتِ، بكل ما فيكِ من قوة ورقة. أريد منكِ أن تكوني شريكتي، أن تساعديني لأصبح أفضل رجل أعمال، لنبني معاً مستقبلاً يليق بنا. وأعدكِ.. بمجرد أن نعود إلى لبنان، أريد..."
عودةُ الروح.. واختبارُ القدر
أكمل مشعل وعده لوتين بصوتٍ يملؤه اليقين:
"أعدكِ.. بمجرد أن نعود إلى لبنان، سأذهب إلى أمي وأخبرها من هي وتين الحقيقية. سأجعلها تفتخر بالمرأة التي أصبحتِ عليها."

وافقت وتين، وعادا معاً إلى أرض الوطن. هناك، كشف مشعل لوالدته الحقيقة كاملة؛ ففاضت عينا الأم بدموع الفرح وهي تحتضن وتين، ابنة صديقة عمرها "عزيزة" التي عادت من رماد الماضي لتنير بيتهم من جديد.
انطلقت الحياة بهما في مسارٍ مشرق؛ بدأ مشعل يدير شركته بشغفٍ لم يعرفه من قبل، مستمداً قوته من وجود وتين بجانبه، حتى غدا رجل أعمال ناجحاً يُشار إليه بالبنان. أما وتين، فقد تخلت عن دروعها، وأصبحت له زوجةً بكل ما تحمله الكلمة من معاني الحب، والاحتواء، والوفاء.
وبعد سنةٍ من السعادة المطلقة والحب الذي وصفه الجميع بـ "الجنوني"، توجت فرحتهما بخبر حمل وتين. كانت الدنيا لا تسع مشعل من الفرحة بانتظار طفلهما، حتى جاء ذلك اليوم المشؤوم.. تعب مشعل فجأة، وبدون سابق إنذار، تدهورت حالته الصحية بسرعةٍ مخيفة، وكأن القدر يختبر صمودهما مرة أخرى في أوج انتصارهما
الوفاءُ الأبدي.. وانتصارُ الحب
وصلت حالة مشعل إلى مرحلةٍ لم يعد ينفع معها علاج، وكان القدر يسطر كلماته الأخيرة في قصة حبهما الأسطورية. في الشهر الثامن من حمل وتين، وبينما كانت هي بجانبه، جسداً يرتجف خوفاً وروحاً تتشبث بالأمل، كان مشعل في عالمٍ آخر من السكينة.
أمسك يدها بوهن، وأخذ يوصيها بصوتٍ هامس وواثق بأن تربي ابنهما القادم بأفضل شكل، ليكون رجلاً يفخر به الجميع. نظر إلى عينيها ملياً، وكأنه يطبع صورتهما الأخيرة في روحه، وقال بكلماته الأخيرة التي ظلت محفورة في وجدانها:
"وتين.. أنا أحبكِ، وسأظل معكِ دائماً.. سأحميكِ بروحي حتى لو متّ."

ومع هذه الكلمات، أسلم مشعل الروح وهو بين يدي زوجته وحبيبته وتين، تاركاً خلفه قلباً مكسوراً ولكن مفعماً بعهد الوفاء.
عادت وتين إلى حياتها وحيدة، لكنها لم تكن منكسرة؛ فقد كانت مسلحة بذكرى حبٍ هزّ الأركان وقوة وفاءٍ لا تلين. وضعت وتين وليدها، وأطلقت عليه اسم "مشعل"، تخليداً لذكرى الراحل الغالي. كان عزاؤها الوحيد في هذه الدنيا أن الله قد عوضها بـ "مشعل الصغير" ليكون قطعةً من روح أبيه بين يديها.
عاشت وتين سنوات عمرها تكرس حياتها لتربية ابنها، الذي كبُر ليصبح نسخة طبق الأصل من والده في ملامحه وشموخه، لكنه تفوق عليه بصدقه ووفائه المطلق. تولى "مشعل الصغير" إدارة شركة والده، وبفضل تربية "الملكة" وقوة طموحه، غدا أكبر وأنجح رجل أعمال في البلاد.
أما وتين، فقد عاشت على ذكرى زوجها، تبتسم للصورة التي جمعتهما وتهمس للقلم الذي كشف لها الحقيقة يوماً، حتى حانت ساعتها. رحلت وتين بسلام لترقد إلى جوار حبيبها مشعل، مجتمعةً معه في عالمٍ لا فراق فيه.
وهكذا، انتصر الحب في النهاية على لهيب الحقد، وأخفى خلفه رماد الماضي، لتصبح قصة "وتين ومشعل" أسطورةً خالدة ترويها الأجيال عن القلب الذي يعرف حبيبه.. وعن الوفاء الذي لا يقتله الموت.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.