انحنت وتين أمام الصغير، وشعرت برابطةٍ خفية تجذبها إليه، وكأن أمومتها المكبوتة وجدت مأواها في هذا الطفل التائه. وبصوتٍ يقطر حناناً، سألته بـ "عاطفة جياشة":
"حبيبي.. ما اسمك؟"
رد الصغير بصوتٍ نقيّ كالجرس: "أحمد."
في تلك اللحظة، كان مشعل يقف بعيداً، مستنداً إلى إطار الباب، يراقبُ ذاك المشهد الذي هزّ أركان ثباته. رأى وتين تحتضن الصغير بعينيها، ورأى في أحمد ملامح كانت تطارده في أحلامه. ترقرقت الدموع في عينيه، دموعٌ امتزج فيها الندم بالاشتياق، لكن كبرياءه منعه من إظهارها. انسحب بصمت وغادر إلى عمله، هارباً من مواجهة تلك المشاعر التي استيقظت فجأة.
لكن "القدر" —أو ربما قلبه— لم يمهله طويلاً؛ فبعد نصف ساعة فقط، عاد مشعل إلى المنزل، متذرعاً بانتهاء العمل مبكراً على غير عادته. كانت وتين تدركُ تماماً ما الذي أعاده؛ لقد شده خيطٌ خفي لا يستطيع مقاومته.
ابتسمت وتين في سرها، وقررت أن تبدأ "المرحلة الثالثة" من خطتها لترويض هذا الفارس. قالت له بـ "خبثٍ أنثوي ذكي" وهي تتظاهر بالإرهاق:
"مشعل، أشعر بتعبٍ شديد، سأذهب لأرتاح قليلاً في الغرفة. خذ أحمد واجلس معه أنت، سلهِ أو العب معه حتى أستيقظ."
انتفض مشعل محتجاً، محاولاً التمسك ببروده الزائف:
"وأنا ما دخلني؟ هو ابن رفيقتكِ أنتِ، لستُ مربية أطفال!"
نظرت إليه وتين بنظرةٍ هادئة وقورة، وحملت في طياتها تحدياً صامتاً، وقالت وهي تبتعد:
"لا بأس أن تجلس معه قليلاً.. لن يضرك شيء إن منحت طفلاً بعضاً من وقتك."
دخلت وتين غرفتها وأغلقت الباب، لكنها لم تنم؛ بل وقفت خلف الباب، تضع أذنها لتسمع ما سيحدث. كانت تدرك أن هذه الساعة التي سيقضيها مشعل مع أحمد، هي "ساعة الصفر" في رحلة تحوله. أما مشعل، فقد وقف في منتصف الصالة، ينظر إلى الصغير الذي كان يراقبه ببراءة، وشعر لأول مرة في حياته بضعفٍ لذيذ وقوةٍ مخيفة تجتاحه في آنٍ واحد.
انبعاثُ الفارس.. وضحكةُ الحقيقة
أغلقت وتين باب الغرفة خلفها، وارتمت على سريرها مدعيةً الغرق في نومٍ عميق، لكن حواسها كلها كانت "عيوناً وآذاناً" تترقب ما وراء الجدار. شعرت بحركة مشعل الحذرة وهو يتسلل، ويفتح الباب ببطءٍ شديد ليتأكد من نومها. ساد صمتٌ قصير، ثم سمعت صوت خطواته وهي تبتعدُ عائدةً إلى الصالة، حيث ينتظره القدر في جسد طفل.
لم تستطع وتين المقاومة؛ نهضت بخفةٍ وتسللت إلى شق الباب لتراقبه خلسة. وهناك، رأت مشهداً حبس أنفاسها وجعل "عاطفتها الجياشة" تفيضُ دمعاً صامتاً. كان مشعل، الرجل البارد ذو النظرات الجليدية، يجلس على الأرض، يشارك أحمد ألعابه البسيطة، ويصدرُ أصواتاً مرحة لم تكن لتتخيل يوماً أنها ستخرج من حنجرته. ولأول مرة منذ أن عرفته، رأته يضحك بصدق؛ ضحكة جلجلت في أرجاء المنزل، كأنها تفتحُ الأبواب المغلقة في روحه المظلمة وتطردُ عنها أشباح الماضي.
مرّ شهرٌ كامل على هذا الحال، وكان المنزل يشهدُ ولادةً جديدة لـ "مشعل". أحمد لم يكن مجرد طفلٍ يملأ الفراغ، بل كان "بوصلة" أعادت توجيه حياة والده. لاحظت وتين، بـ "هدوءٍ وقور"، أن مشعل بدأ يخلع ثوب الإهمال؛ ترك السهر العبثي، وأصبح يغادر إلى شركته بهمةٍ لم تعهدها فيه، يقاتلُ من أجل سمعته ومستقبله، وكأنه يريد أن يبني عالماً يليق بهذا الصغير الذي اقتحم حياته.
أصبح مشعل "رجلاً جديداً" بكل ما للكلمة من معنى؛ مسؤولاً، رزيناً، ويحمل في عينيه نظرة "حماية" لم تكن موجودة من قبل. كان يركز في عمله وكأنه يسابق الزمن ليكفر عن سنوات الضياع، بينما كانت وتين تراقبُ هذا التغيير وهي تشعرُ بالفخر والقلق معاً؛ الفخر بنجاح خطتها، والقلق من اللحظة التي سيعرف فيها مشعل أن هذا "الدافع" العظيم هو ابنه الذي تخلى عنه يوماً
كان الهدوء في المنزل يلفّ كل الزوايا، بعد أن نام أحمد الصغير باكراً، تاركاً خلفه بقايا ألعابه وضحكاته التي غيرت ملامح ذلك المكان. كانت وتين تجلس في الصالة، تراقبُ الباب بترقبٍ ينهشُ أعصابها؛ فقد تأكدت بيقين "الملكة" أن مشعل الذي عاد للحياة والمسؤولية، والتحم بقلب ذاك الصغير، قد استحق أخيراً أن يخرج من ظلام كذبها إلى نور حقيقتها.
زلزال الحقيقة.. وحق الدم
عندما فُتح الباب ودخل مشعل، لم تجد وتين فيه ذلك الرجل المحطم الذي عرفته؛ بل وجدت "فارساً" جديداً، بوجهٍ مشرق وعينين تحملان هيبة العمل والنجاح. جلس بجانبها، فاستجمعت وتين كل ذرات قوتها، وبصوتٍ مترددٍ مشوب بـ "عاطفة جياشة"، قطعت حبل الصمت قائلة:
وقفت وتين أمام بركان غضبه بصمود الجبال، وقالتها بكلماتٍ واضحة لم تحتمل التأويل:
"أحمد ليس ابن صديقتي يا مشعل.. أحمد هو ابنك، هو تلك القطعة التي ظننت أنك أضعتها، لكنني كنتُ أحرسها لك بحدقات عيني."
تجمدت الدماء في عروق مشعل، ثم انفجر كالإعصار. صرخ بصوتٍ اهتزت له جدران المنزل:
"كيف؟ كيف تجرأتِ؟ لماذا تركتِني أحترق بناري طوال هذا الشهر؟ لماذا لم تقولي الحقيقة من أول لحظة؟"
لم تتردد وتين؛ اقتربت منه وبنبرةٍ تجمع بين القسوة والرحمة أخبرته بكل شيء. حكت له عن خوفها على براءة الصغير من ضياع والده، وعن اتفاقها السري مع فاتن، وكيف كانت مستعدة للتضحية بكل شيء وتبني الطفل رسمياً إذا لم يثبت مشعل أنه تغير. قالت له بـ "هدوءٍ وقور": "كان عليّ أن أتأكد أنك أصبحت 'أباً' يستحق هذا الطفل، لا مجرد رجلٍ يطارده الندم."
فجأة، خمدت ثورة مشعل. ساد صمتٌ طويل لم يقطعه سوى أنفاسه الثقيلة. مشى بخطواتٍ متعثرة نحو غرفة الصغير، ووقف أمام سرير أحمد النائم. نظر إليه بـ "عشق أبوي عميق"، وكأنه يراه لأول مرة. انهمرت دموعه بغزارة، لم تكن دموع انكسار، بل كانت دموع ولادة جديدة.
التفت إلى وتين، وكانت عيناه تحملان مزيجاً معجزاً من العرفان الصادق والألم الدفين. مسح دموعه، وبنبرةٍ قاطعة كالسيف، نبرة رجلٍ استرد كرامته وروحه، قال:
"أحمد لن يغادر هذا المكان بعد اليوم.. ولن يعود لغير حضني. هذا بيت أبوه، ومن هنا ستبدأ حياته وحياتي."
في تلك اللحظة، أدرك مشعل أن وتين لم تكن مجرد زوجة على الورق، بل كانت "الملاك" الذي أنقذه من الجحيم. وعلى الرغم من جرحه من كذبتها، إلا أن احترامه لها نما حتى ناطح السحاب.