albirinsisahqamar

Share to Social Media

لم تنتظر وتين طويلاً؛ ففي صباح اليوم التالي، وبينما كان مشعل لا يزال غارقاً في ذهوله من مواجهة الليلة الماضية، كانت هي قد حسمت أمرها. توجهت إلى العنوان الذي انتزعته منه، لتجد نفسها أمام بناءٍ بسيط يفوح منه عبقُ الصبر. هناك، قابلت امرأةً تدعى "فاتن"، المرأة التي كانت تحرسُ بقايا حطام مشعل المتمثل في طفلٍ بريء.
بذكائها الحاد ونبرتها التي تبعثُ على الثقة، بسطت وتين خطتها أمام فاتن. لم تكن وتين تريد استعادة الطفل فحسب، بل أرادت استعادة "إنسانية" والده أولاً. أقنعتها بأن الطريق الوحيد لضمان مستقبلٍ آمن لأحمد هو وضع مشعل في اختبارٍ حقيقي. اتفقت معها على خدعةٍ بيضاء: ستدّعي وتين أمام مشعل أن هذا الطفل الجميل، "أحمد"، هو ابنُ صديقةٍ مقربة لها، وسيبقى في ضيافتهما لمدة شهرٍ واحد لظروفٍ طارئة.
نظرت وتين في عيني فاتن القلقتين، وقالت لها بـ "هدوءٍ قوي" وقور:
"أعدكِ يا فاتن، أحمد في مأمني. سأضمنُ سلامته ومستقبله كما لو كان قطعتي الخاصة. لكنني لن أكشف لمشعل الحقيقة أبداً، ولن أخبره أنه ابنه، إلا عندما ألمسُ بعينيّ تغييراً حقيقياً في روحه.. عندما أتأكد أنه استحقّ لقب 'الأب' بجدارة."

عندما رأت وتين "أحمد" لأول مرة، شعرت بـ "عاطفة جياشة" تجتاح كيانها؛ كان نسخةً مصغرة عن مشعل، ولكن بعيونٍ تفتقدُ للأمان. ضمت الصغير إلى صدرها، وشعرت بأن قدرها قد اكتمل؛ فهي الآن "الملكة" التي تحاربُ لاسترداد مال عائلتها، و"المربية" التي تحاربُ لاسترداد روح زوجها، و"الأم البديلة" التي تحمي طفلاً لا ذنب له في غدر الكبار.
عادت وتين إلى المنزل، وهي تمسكُ بيد أحمد الصغيرة، مدركةً أن هذا الجسد النحيل سيكون هو "المعجزة" التي ستكسرُ جليد مشعل، أو الضربة القاضية التي ستكشفُ عيوبه إلى الأبد.
اللقاءُ الأول.. وابتسامةُ الغريب
لم تكد شمس الصباح تكتملُ في السماء، حتى نُفذ الجزء الأول من الخطة. رنّ جرس الباب برنةٍ بدت لوتين وكأنها دقاتُ قلبها المتعطش للعدالة. كان مشعل هو الأقرب للباب، ففتحه ليجد أمامه السائق وبجانبه طفلٌ صغير، ملامحه هادئة كبحرٍ ساكن، وعيناه تحملان لمعةً ذكية تشبه لمعة عينيه هو.
في تلك اللحظة، حدث ما لم تتوقعه وتين التي كانت تراقب المشهد من خلف الستار؛ فقد انكسر الجليد عن وجه مشعل فجأة، وارتسمت على ثغره "ابتسامةٌ نادرة"، ابتسامةٌ دافئة وأصيلة لم تظهر منذ سنوات الغربة الطويلة. وكأن روح مشعل قد عرفت روح "أحمد" قبل أن يدرك عقله الحقيقة.
انحنى مشعل قليلاً ليكون بمستوى طول الصغير، ونادى على وتين بصوتٍ يملؤه حماسٌ غريب:
"وتين! تعالِي بسرعة.. انظري من هنا!"

خرجت وتين وهي تتصنعُ المفاجأة والهدوء، لكنها كانت تراقبُ بـ "عاطفة جياشة" تلك الهالة التي أحاطت بالرجل والطفل. رأت مشعل وهو ينظر لأحمد بإعجاب، وكأنه يرى فيه شيئاً مفقوداً يبحث عنه. كان المشهدُ لوحةً سريالية؛ الأب والابن يلتقيان كغرباء، والسرُّ الكبير يقبعُ في صدر وتين، ينتظرُ اللحظة المناسبة ليتفجر.
قالت وتين وهي تقترب بوقار: "هذا أحمد، ابنُ صديقتي الذي أخبرتكَ عنه.. سيبقى معنا لفترة." لم يرفع مشعل عينيه عن الطفل، بل مدّ يده ليمسح على رأسه بحنانٍ فطري، وهو لا يعلم أن هذا "الغريب" الصغير هو الخيط الوحيد الذي قد يربطه بمستقبله، وبغفران وتين.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.