لم تكد وتين تلتقط أنفاسها من هول الفاجعة، حتى كانت الصدمة التالية في انتظارها لتجهز على ما تبقى من صمودها. ففور عودتها، وبنبرةٍ تخلو من الحياة، أعلن والدها عن قرارٍ وقع عليها كالصاعقة: لقد خطبها لـ محمود.
كان محمود شاباً يثق فيه والدها ثقةً عمياء، يراه السند الذي سيحمي ابنته في غيابه، ولم يكن يدرك أن قلب ابنته قد أُغلق بمفتاحٍ ضاع في غياهب "وعد مشعل". لم تجد وتين في روحها ذرةً من القوة لترفض أو لتعترض؛ فقد كانت منهكةً نفسياً، محطمةً من الداخل وهي تشاهد قاتلة أمها تتبوأ مكانها في القصر.
أما والدها، فقد كان رجلاً مكسوراً، هدّه الحزن وأطفأ بريق عينيه، فلم يعد يملك من أمره شيئاً سوى الاستسلام لما يراه الآخرون "صالحاً". وهكذا، وفي جوٍّ يخلو من الفرح وبسرعةٍ تثير الريبة، تحدد موعد الخطوبة، لتجد وتين نفسها تساقُ نحو مستقبلٍ لم تختره، بينما تصرخُ روحها بصمتٍ باحثةً عن فارسها البعيد.
أنيابُ الذئب وضياعُ الإرث
لم يكن "محمود" سوى ذئبٍ جائع ارتدى ثوب العريس ليتمكن من التسلل إلى حصون العائلة المنهكة. ومع مرور سنةٍ على تلك الخطوبة التي كانت بالنسبة لوتين أشبه بالقيد، بدأ القناع يسقط عن وجهه الحقيقي. استغل محمود ببراعةٍ دنيئة ذاك "الجمال الخفي" من الطيبة التي كان يتسم بها والد وتين، واستثمر حالة الحزن والشتات التي يعيشها الرجل المكسور.
بذكاءٍ شيطاني، وفي لحظات ضعف الأب وغياب بصيرته، استدرجه محمود لتوقيع أوراقٍ ومبايعاتٍ معقدة، أوهمه أنها لتأمين المستقبل، بينما كانت في الحقيقة "صكوك تنازل" عن كل ما يملك. وفي ليلةٍ وضحاها، استيقظت وتين على الكارثة الكبرى: لقد استولى محمود على كل ممتلكات العائلة في الكويت، القصر، والشركات، وتعب السنين.. كل شيء تبخر ولم يبقَ لهم سوى الخيبة والعدم.
وجدت وتين نفسها أمام حقيقةٍ مُرّة؛ فالرجل الذي كان من المفترض أن يكون حاميها، أصبح هو السارق الذي سلبها مأواها وتاريخ والدها، لتكتمل فصول المؤامرة التي بدأت بسعاد وعمها، وانتهت بمحمود الذي أجهز على ما تبقى من أمل.