albirinsisahqamar

Share to Social Media

لم تمضِ أيامٌ قليلة على حادثة الدرج التي زلزلت كيان وتين، حتى بدأت خيوط القدر تحيكُ لقاءاتٍ من نوعٍ آخر. بدأت والدة مشعل، جارتهم القديمة التي سكنت ذاكرة وتين بصورة "الأم الثانية"، تترددُ على تلك الشقة الضيقة كثيراً. كانت تزورهم بقلبٍ يفيضُ مودة، وكأن روحها قد انجذبت نحوهم دون أن تدرك السبب الحقيقي.
المفارقة المؤلمة والجميلة في آنٍ واحد، هي أن السنين الطويلة التي مرت، وما خلّفته من أخاديد على الوجوه وتغير في الملامح، جعلت والدة مشعل لا تتعرفُ على وتين، ولا حتى على والدها الذي هدّه الحزن وغيرت الكارثة معالمه. كانت تنظرُ إلى وتين بإعجابٍ شديد، وأحبتها حباً كبيراً، وكأن نداء الدم والماضي يحركها دون وعيٍ منها.
أما وتين، فقد كانت تعيش صراعاً صامتاً في كل مرةٍ ترى فيها تلك السيدة. كانت عيناها تتفرسان في ملامحها، وتبحثان فيها عن بقايا من "مشعل". كل كلمةٍ تنطق بها الأم، وكل لفتةٍ حانية منها، كانت تزيدُ من اشتعال اليقين في صدر وتين؛ فمن كانت تزورهم هي أمُّ المنقذ، ومن أحاطها بيده القوية على الدرج لم يكن وهماً ولا شبحاً، بل كان مشعل لحماً ودماً.
كانت وتين تراقبها بـ "صمتٍ وقور"، وتتساءل في سرها: "هل يراكِ مشعل الآن من خلال عينيكِ؟ وهل يخبركِ قلبي بما تعجز عيني عن قوله؟". كانت هذه الزيارات تعزز إيمانها بأن الفارس ليس بعيداً، وأنه يحيطُ بها بطريقةٍ ما، تماماً كما أحاطت هي أعداءها بظلال "الملكة".
زواجُ الأقدارِ والستارُ المسدول
مرت بضعة أشهر، كانت فيها وتين تبني إمبراطورية "الملكة" في الخفاء، بينما كانت والدة مشعل تبني في قلبها قصراً لوتين. وفي أمسيةٍ هادئة، نطقت الأم بالطلب الذي كانت وتين تنتظره بقلبٍ يرتجف: تقدمت لخطبة وتين لابنها مشعل.
لم تتردد وتين لثانية واحدة؛ وافقت على الفور وبـ "هدوءٍ قوي" أخفى خلفه بركاناً من المشاعر المتضاربة. رأت في هذا الزواج ضربةً معلم؛ فهو الفرصة الذهبية لتنال الحماية التي تحتاجها في حربها القادمة، وهو الملاذ الآمن الذي سيسمح لـ "الملكة" أن تضرب أعداءها وهي مستندة إلى ظهر فارسٍ لا يقهر. كانت تعلم أن مشعل هو منقذها على الدرج، وأن وجودها في بيته سيجعلها أقرب من أي وقت مضى إلى استرداد حقها المسلوب.
أما على الجانب الآخر، فكان مشعل يعيشُ في عالمٍ بعيدٍ تماماً. كان رجلاً قد صهرته الأيام، ولم تكن فكرة الارتباط تشغلُ حيزاً في عقله الذي كان مشغولاً بأمورٍ جلية وأخرى غامضة. لم يكن يرغبُ بالزواج، لكنه، وبسبب حبه الجارف لوالدته وتقديره لـ "برّ الوالدين"، وافق إرضاءً لقلبها، دون أن يلقي بالاً لهوية تلك العروس التي تغيرت ملامحها بفعل الزمن والقهر.
وبعد شهرٍ واحد، في حفلٍ اتسم بـ "الوقار" والهدوء، تم الزواج. دخلت وتين بيت مشعل وهي تحملُ سرين عظيمين: سرّ هويتها كطفلة صيدا التي أحبها يوماً، وسرّ كونها "الملكة" التي بدأت تهزّ عروش أعدائهما المشتركين. سُدِل الستارُ على حياة الشقة الضيقة، لتبدأ حياةٌ جديدة خلف الأبواب الموصدة، حيث يجتمعُ "الفارس" و"الملكة" تحت سقفٍ واحد، دون أن يعرف أحدهما حقيقة الآخر الكاملة، لتبدأ من هنا أعظم فصول الإثارة والغموض.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.