في تلك الأيام، كانت وتين تتقنُ دور "الزوجة المتمردة" ببراعة مذهلة؛ كانت تفتعل المشاجرات من أتفه الأسباب، وتلقي بكلمات جارحة لتشيد جداراً عازلاً بينها وبين مشعل. كانت تريدُ أن ينشغل بمحاولة فهم تقلباتها المزاجية بدلاً من أن يتساءل: إلى أين تذهب كل صباح؟ ومن هو "عماد" الذي يتردد اسمها معه في أروقة المال؟
كان مشعل يتلقى عواصفها بـ "برودٍ جليدي"، لكنه برودٌ يشبه سكون الغابة قبل العاصفة. كانت عيناه السوداوان تخترقان قناعها، وكأنه يقرأ خلف صراخها المصطنع قصصاً لم تُحك بعد. ظلت العلاقة بينهما خيطاً رفيعاً من التمثيل المتقن أمام العائلة، وجموداً موحشاً خلف الأبواب المغلقة.
وفي ظهيرة يومٍ مشمس، وصلت إلى المنزل رسالتان غامضتان؛ واحدة تحملُ ختم "الملكة" السري وموجهة لوتين، والأخرى موجهة لمشعل ومختومة بختمٍ لا يعرفه أحد. وضعتهما وتين على الطاولة بلامبالاة مصطنعة، لكن القلق كان ينهش قلبها.
وعندما حلّ الليل، وتحت ضوء المصباح الخافت في الصالة، وقع المحظور. مدّ كل منهما يده في لحظة شتاد، ليلتقط ظرف الآخر بالخطأ. انسحب كل منهما إلى ركنه ليبدأ القراءة. وما هي إلا دقائق، حتى أحست وتين ببرودةٍ تجتاح أطرافها حين اكتشفت أنها تمسك برسالة مشعل، لكن الصدمة الكبرى كانت من نصيب مشعل.
عندما تبادلا الرسائل والعيونُ تشتعلُ بالارتباك، كان مشعل قد قرأ ما لم يكن عليه قراءته. كان محتوى الرسالة التي وقعت في يده صاعقاً؛ لم يكن مجرد تقريرٍ تجاري، بل كان خبراً زلزل كيانه وغير مجرى حياته بالكامل. نظر إلى وتين بنظرةٍ لم تألفها منه من قبل، نظرة امتزج فيها الذهولُ بـ "العاطفة الجياشة" المكبوتة، وكأنه يراها لأول مرة منذ ليلة الزفاف.
تلك الرسالة لم تكشف له عن "الملكة" فحسب، بل نبشت قبراً لذكرى ظن أنها ماتت، وجعلت من "اتفاق الورق" حبراً لا قيمة له أمام حقيقةٍ بدأت تفرض نفسها بالقوة.
فخُّ الغرفة الواحدة.. والمواجهة الصامتة
مرّ يومان على حادثة الرسائل، كانت وتين تعيشهما في حالة من الذهول والترقب، تحاول قراءة ما خلف صمت مشعل المريب. وفجأة، وبنبرةٍ لا تقبل الجدل، طلب منها مشعل أن تنقل أغراضها إلى غرفته الكبيرة، معلناً أن والدته ستأتي لتقيم معهما لفترة، ولن يكون من اللائق أمامها أن ينام كل منهما في غرفة منفصلة.
امتثلت وتين للأمر وهي تشعر بضيقٍ يخنق أنفاسها، ونقلت عالمها الصغير إلى "عرين" مشعل. وبمجرد أن انتهيا من ترتيب الأغراض، رنّ هاتف مشعل. تظاهر بالحديث مع والدته لثوانٍ، ثم أغلق الهاتف والتفت إلى وتين ببرودٍ مصطنع، لكن عينيه كانتا تشعان ببريقٍ غامض لا تشوبه شائبة، وقال بلهجةٍ قاطعة:
"اعتذرت والدتي.. لن تأتي. ولكن، بما أنكِ نقلتِ أغراضكِ بالفعل، فسوف تظلين هنا. من الآن فصاعداً، سننام في غرفةٍ واحدة."
تلك الكلمات كانت بمثابة إعلان حربٍ على الحصون التي شيدتها وتين. ثارت ثائرتها، واندلعت في داخلها تلك "العاطفة الجياشة" الممتزجة بالخوف والتمرد. صرخت في وجهه رافضةً هذا التجاوز لاتفاقهما، ودار بينهما جدالٌ طويل، كانت فيه وتين تقاتل من أجل المسافة التي تحمي سرها، بينما كان مشعل يقف ثابتاً كالسد، يراقبُ انفعالاتها ببرودٍ يستفز كبرياءها.
وفي النهاية، وتحت وطأة التعب وذكاء مشعل الذي لا يلين، استسلمت وتين للأمر الواقع، لكنها لم تمنحه نصر التواجد على سريره. أخذت وسادتها واتجهت إلى الأريكة في زاوية الغرفة، لترتمي عليها بجسدٍ منهك وروحٍ متوجسة.
في تلك الليلة، غاب النوم عن عينيهما. كانت وتين تشعر بنظرات مشعل وهي تخترق الظلام نحو أريكتها، وتتساءل برعب: لماذا أصرّ على بقائي؟ هل قرأ في الرسالة أنني "الملكة"؟ أم أن قلبه عرفني كما عرفه قلبي على الدرج؟ أما مشعل، فقد كان يستندُ إلى وسادته في صمت، يراقبُ أنفاسها المتلاحقة، والرسالة الصادمة لا تزال تتردد أصداؤها في عقله، محولةً جفاءه إلى نوعٍ جديد وخطير من الاهتمام.