albirinsisahqamar

Share to Social Media

مزادُ الثأر.. ومائدةُ الأقنعة
مع إشراقة الصباح، كانت وتين قد نفضت عنها غبار ليلتها المضطربة على الأريكة، واستعادت هيبة "الملكة". توجهت إلى مقر شركتها السري، وهناك، وبنظرةٍ حادة وقرارٍ لا رجعة فيه، أمرت "عماد" بدخول مزادٍ جديد على أثمن ما تبقى من ممتلكات محمود. قالت له بصوتٍ منخفض يقطرُ عزيمة: "لا تترك له حجراً فوق حجر، ارفع السعر مهما كلف الأمر، أريد أن يرى إمبراطوريته تتهاوى أمام عينيه وهو عاجز."
وكما خططت، كان النصر حليف "الملكة"؛ حيث سحق عماد كل العروض، واستردت وتين جزءاً آخر من حق عائلتها المنهوب، بينما كان محمود يتجرع مرارة الخسارة في بيروت، غير مدرك أن جلاده يجلس قريباً منه جداً.
عادت وتين إلى المنزل، وهي تحملُ نشوة الانتصار في صدرها، لتجد مشهداً لم تكن مستعدةً له. كانت مائدة الغداء تجمع مشعل ووالدته الحنون، ووالدها المكسور، وبجانبه.. سعاد. تلك المرأة التي قتلت أمها بدمٍ بارد، كانت تجلسُ بوقاحة وكأنها تملك المكان.
في تلك اللحظة، تحول المنزل إلى مسرحٍ كبير للأقنعة. اقتربت وتين من مشعل، وتبادلا الابتسامات المزيفة والكلمات الرقيقة أمام الأهل، وكأنهما غارقان في سعادةٍ زوجية لا تشوبها شائبة، بينما كان مشعل يراقبُ بعينيه الثاقبتين كل حركةٍ تصدر عنها، والرسالة الصادمة لا تزال تحرقُ جيبه.
أما وتين، فكانت تديرُ معركةً ضارية في أعماقها. كانت نظراتُ الحقد والاشمئزاز تجاه سعاد تكادُ تفر من عينيها كشراراتٍ حارقة. كانت ترى في وجه سعاد وسادة الموت، وفي وجه والداها ذل الانكسار، وفي وجه مشعل.. لغزاً لا تستطيع حله. حاولت جاهدةً الحفاظ على هدوئها، لكن غليان الانتقام بداخلها كان يهمس لها: "اصبري.. فلحظةُ السقوطِ الكبرى لم تأتِ بعد."
خطيئةُ الماضي ونحيبُ الندم
بعد انصراف الجميع، ساد صمتٌ ثقيل لم يكسره سوى صوت أنفاس مشعل المتلاحقة. وقف أمام وتين، ولأول مرة، تخلت عيناه عن برودهما المعتاد لتكشفا عن ضعفٍ إنسانيّ مرير. بدأ يتردد، يتقدم خطوة ويتراجع أخرى، ثم قال بنبرةٍ مكسورة يملؤها الندم:
"وتين.. لا أستطيع إكمال هذه اللعبة وحدي. أحتاجُ إليكِ.. أحتاجُ مساعدتكِ لأجد ابني الذي ضيعته بيدي."

وقعت الكلمات على وتين كوقع الصاعقة، لكن الصدمة الكبرى كانت في التفاصيل التي تلت ذلك. قصّ مشعل قصته الأليمة بقلبٍ ينزف؛ حكى لها عن زواجه السري من فتاةٍ بسيطة، وكيف غلبه الخوف من مواجهة عائلته ومجتمعه، فارتكب أكبر خطيئة في حياته: لقد تخلى عنها وعن طفلهما.
أخبر وتين بصوتٍ تخنقه العبرات، كيف ترك تلك الفتاة تواجه قدرها وحيدة، لتموت قهراً وكمداً بعد الولادة، تاركةً طفلاً يبلغ من العمر الآن أربع سنوات، تائهاً في هذا العالم بسبب قرارٍ جبان اتخذه مشعل يوماً.
قال لها وهو ينظر إلى الأرض خجلاً من نفسه: "لقد كنتُ ضعيفاً يا وتين، والآن يقتلني الندم في كل ثانية. علمتُ أن ابني لا يزال حياً، ولا يمكنني العيش دقيقةً أخرى دون أن أستعيده."
تسمرت وتين في مكانها، وشعرت بـ "عاطفة جياشة" متضاربة؛ فمن جهة، هالها ما فعله مشعل بتلك الفتاة والطفل، ومن جهةٍ أخرى، رأت أمامهما رجلاً قد حطمه الذنب تماماً، يبحث عن طوق نجاة. في تلك اللحظة، أدركت وتين أن "مشعل" الذي تراه الآن ليس الفارس الذي رسمته في خيالها، بل هو إنسانٌ مثقل بالأخطاء، يبحث عن الغفران من خلالها.
نظرت إليه وتين بـ "هدوءٍ وقور"، وأدركت أن مهمتها لم تعد تنحصر في تدمير أعدائها فحسب، بل ربما يكون قدرها أيضاً هو إنقاذ طفلٍ بريء من غدر الزمان.. وغدر والده.
مرآةُ الحقيقة.. وصفعةُ الضمير
لم تتحمل وتين نبرة الندم المتأخرة في صوت مشعل؛ شعرت ببركانٍ من القهر ينفجر في صدرها، فكيف لرجلٍ قطع وعوداً بالحماية أن يغدر بأقرب الناس إليه؟ ازداد صوتها حدة، ووقفت أمامه كالقاضي الذي لا يرحم، وقالت له بكلماتٍ كانت تقطرُ سماً وحقيقة:
"وبعد أن تجده.. ماذا ستقول له يا مشعل؟ هل ستقف أمام عينه البريئة لتقول: أنا الرجل الذي خدع أمك وتركها تموت وحيدة؟ هل ستقول له: أنا الذي سمحت للسنوات الأربع أن تسرق طفولتك، والآن فقط استيقظ ضميري فجأة فقررت أن أبحث عنك؟"

تلك الكلمات نزلت على مشعل كالصواعق المتتالية. اشتعل الغضب في عينيه، وبرزت عروق جبينه وهو يحاول كبح جماح انفعاله، لكنه —ولأول مرة— لم يجد رداً. كان سلاحه "البرود" قد تحطم أمام صدقها الجارح. سألها بنبرةٍ يملؤها اليأس والضياع، وكأنه غريقٌ يطلب النجاة:
"إذن.. شو العمل؟ قولي لي ماذا أفعل لأكفر عن ذنبي؟"

نظرت إليه وتين بنظرةٍ شملت كل انكساراتها وقوتها، وقالت له بـ "صوتٍ وقور" وحازم:
"غيّر حالك أولاً.. غيّر هذا الجمود وهذا الهروب. اتغير عشانك أنت، وعشان تستحق أن تكون أباً لهذا الطفل الذي ظلمته. فكر في كلامي جيداً، فالغفران لا يأتي بالبحث فقط، بل بالندم الذي يغير الإنسان من الداخل."

تركت وتين مشعل غارقاً في دوامةٍ من الحيرة والغضب المكتوم، وانسحبت من أمامه وهي تدرك أنها لم تكسر صمته فحسب، بل كسرت كبرياءه الزائف. وفي تلك الليلة، كان الصمت في الغرفة أثقل من أي وقتٍ مضى، مشعل يواجه وحوش ماضيه، ووتين ترسمُ طريقاً جديداً يربطُ بين انتقام "الملكة" وبين إنقاذ ذاك الطفل الذي باتت تشعرُ بمسؤوليةٍ تجاهه.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.