كان الليل قد ألقى ستاره على المدينة عندما أوقف المفتش نعمان سيارته قرب الميناء القديم.
هبّت رياح باردة من جهة البحر، فاهتزت الأبواب المعدنية للمستودعات المهجورة مصدرة أصواتًا متقطعة تشبه الأنين.
نظر نعمان إلى ساعته.
الحادية عشرة وخمس دقائق.
كانت المكالمة الغامضة قد طلبت منه مراقبة المستودع القديم في هذا الوقت بالذات.
وقف إلى جانبه الملازم ناصر، أحد أكثر رجال الشرطة نشاطًا.
سأل ناصر:
"هل تعتقد أن المتصل كان صادقًا؟"
أجاب نعمان وهو يراقب الظلام
"لا أعلم، لكن شخصًا ما خاطر بالاتصال بنا. هذا يعني أن لديه سببًا مهمًا."
اختبأ الرجلان خلف مجموعة من الحاويات الصدئة، ومرت دقائق طويلة دون أن يحدث شيء.
ثم ظهر ضوء سيارة في نهاية الطريق.
توقفت السيارة قرب المستودع، وترجل منها ثلاثة رجال.
لم يتمكن نعمان من رؤية وجوههم بوضوح، لكنهم كانوا يتحركون بحذر شديد.
همس ناصر:
"هل نقترب؟"
هز نعمان رأسه بالنفي.
"ليس بعد."
شاهد الرجال وهم يفتحون الباب الجانبي للمستودع ويدخلون بسرعة.
انتظر نعمان دقيقة كاملة، ثم تحرك مع ناصر بصمت نحو المبنى.
كان باب المستودع مفتوحًا قليلًا..دخل الاثنان بحذر، كان الظلام يملأ المكان.
وفجأة سمعا أصواتًا قادمة من الداخل، فاختبأ نعمان خلف صندوق خشبي كبير.
جاءه صوت رجل غليظ:
"أخبروا بقية التجار أن الوقت ينفد."
رد شخص آخر:
"بعضهم ما زال يرفض الدفع."
ضحك الأول.
"بعد ما حدث للحاج سالم سيدفع الجميع."
شعر نعمان بأن قلب القضية بدأ يتكشف أمامه.
إذن فالسرقة لم تكن حادثًا منفصلًا، بل كانت جزءًا من حملة ابتزاز منظمة.
وقبل أن يتمكن من سماع المزيد، صدر صوت ارتطام قوي خلفه، فالتفت الجميع فجأة.
كان ناصر قد اصطدم بقطعة حديدية أثناء تحركه.
صرخ أحد الرجال:
"هناك أحد هنا!"
في اللحظة التالية انطفأت الأنوار القليلة داخل المستودع، وساد الظلام.
اندفع الرجال نحو المخرج الخلفي..ركض نعمان خلفهم، حتى خرج إلى الساحة الخارجية ليجدهم يفرون
في اتجاهات مختلفة، وتمكن من ملاحقة أحدهم.
كان الرجل طويل القامة ويرتدي سترة سوداء، وقفز فوق سور منخفض.
تبعه نعمان دون تردد..استمرت المطاردة بين الأزقة الضيقة عدة دقائق.
وكان المفتش يقترب منه تدريجيًا، لكن فجأة ظهرت دراجة نارية من زاوية الشارع.
قفز الرجل الهارب خلف السائق، وانطلقت الدراجة بسرعة هائلة.
توقف نعمان وهو يلهث.
"لقد أفلتوا."
لكن ليس بالكامل..على الأرض قرب السور سقط شيء أثناء الهروب، فانحنى والتقطه.
كان ميدالية معدنية صغيرة، عليها نقش ثعبان أسود.
في صباح اليوم التالي عاد نعمان إلى إدارة التحريات.
بدأ بمراجعة ملفات التجار الذين تعرضوا للسرقة أو التهديد خلال الأشهر الأخيرة، وخلال ساعات قليلة
ظهرت ملاحظة مثيرة للاهتمام..جميع الضحايا تقريبًا يملكون متاجر ناجحة، وجميعهم تلقوا تهديدات
قبل تعرضهم للسرقة. لكن الأغرب من ذلك أن بعضهم لم يبلغ الشرطة أبدًا.
قال ناصر:
"لماذا يصمتون؟"
أجاب نعمان:
"لأنهم خائفون."
"من العصابة؟"
"أو من شخص أقوى منها."
ساد الصمت في المكتب..ثم دخل أحد الضباط مسرعًا، وكانت علامات القلق واضحة على وجهه.
قال:
"سيدي، هناك تاجر يريد مقابلتك فورًا."
"من هو؟"
"اسمه طارق الربيعي."
"ماذا يريد؟"
تنهد الضابط.
"يقول إنه مستعد للكلام... لكنه يخشى أن يُقتل."
دخل الرجل بعد دقائق..كان في الخمسين من عمره، وجهه شاحب ويداه ترتجفان.
جلس أمام نعمان ونظر نحو الباب عدة مرات قبل أن يتحدث.
قال بصوت منخفض:
"إنهم يراقبون الجميع."
"من؟"
"العصابة."
"ماذا تعرف عنهم؟"
ابتلع ريقه بصعوبة.
"أعرف أكثر مما ينبغي."
اقترب نعمان قليلًا.
"أخبرني."
تردد الرجل.
ثم أخرج ظرفًا بنيًا من جيبه ووضعه على الطاولة.
"إذا حدث لي شيء... ستجدون الإجابة هنا."
نظر نعمان إلى الظرف باهتمام.
لكن قبل أن يفتحه، دوى صوت انفجار قوي في الشارع بالخارج.
اهتزت نوافذ المبنى..وقف الجميع مذعورين، أما طارق، فقد تحول وجهه إلى اللون الأبيض.
وهمس بكلمات مرتجفة
"لقد وجدوني..."