كانت شمس العصر تميل نحو الغروب فوق سوق المدينة القديم، حيث ازدحمت الأزقة بالتجار والمتسوقين وعربات الباعة المتنقلة.
وقف الحاج رشيد أمام متجره للأقمشة وهو يراقب الشارع بقلق واضح. لم يكن القلق بسبب ضعف المبيعات، بل بسبب شيء آخر أصبح حديث جميع التجار خلال الأسابيع الأخيرة.
اقترب منه رجل قصير القامة يرتدي معطفًا رماديًا ويحمل حقيبة صغيرة.
قال بصوت منخفض:
هل اتخذت قرارك؟
ارتبك الحاج رشيد.
أي قرار؟
ابتسم الرجل ابتسامة باردة.
لا تجعلني أكرر الرسالة.
أخرج من الحقيبة ظرفًا أبيض ووضعه على الطاولة ثم غادر دون أن ينتظر ردًا.
ظل الحاج رشيد ينظر إلى الظرف عدة ثوانٍ قبل أن يفتحه. كانت بداخله ورقة صغيرة كتب عليها:
"الحماية لها ثمن. لديك ثلاثة أيام فقط. ادفع خمسة آلاف دينار."
وفي أسفل الرسالة رسم أسود على شكل ثعبان..ارتجفت يد الحاج رشيد.لم تكن هذه أول رسالة تصل إلى أحد التجار.
خلال الشهر الماضي تلقى عدد من أصحاب المتاجر رسائل مشابهة، لكن معظمهم رفض الحديث عنها خوفًا من العواقب.
في صباح اليوم التالي، كان المفتش نعمان يجلس في مكتبه بإدارة التحريات الجنائية.
اشتهر نعمان بين زملائه بهدوئه الشديد وقدرته على ملاحظة التفاصيل الصغيرة التي يتجاهلها الآخرون.
طرق أحد الضباط الباب.
سيدي، هناك بلاغ عاجلن رفع نعمان رأسه.
ماذا حدث؟
حادثة سرقة كبيرة في السوق القديم.
نهض فورًا "هيا بنا"
تجمهر الناس أمام متجر الحاج رشيد عندما وصل نعمان.
كانت واجهة المتجر محطمة، وبعض البضائع مبعثرة على الأرض، كان الحاج رشيد واقفا قرب الباب
وملامح الصدمة على وجهه.
اقترب منه نعمان.
هل أنت صاحب المتجر؟
نعم.
أخبرني بما حدث.
تنهد الرجل وقال:
أغلقت المتجر كعادتي ليلة أمس، وعندما عدت هذا الصباح وجدته بهذا الشكل.
تأمل نعمان المكان بعناية..لم تكن السرقة عشوائية.الخزنة فقط هي التي تعرضت للكسر.
أما البضائع الثمينة فقد تُركت في أماكنها.
كان نعمان في الخامسة والثلاثين من العمر ذو بشرة بيضاء وشعر اسود وذات جسم طويل قوي ورشيق.
تمتم:
غريب...
سأله أحد الضباط:
ما الغريب في الأمر؟
أجاب نعمان:
اللصوص عادة يسرقون ما يستطيعون حمله بسرعة. هنا يبدو أن هدفهم كان شيئًا محددًا.
ثم التفت نحو الحاج رشيد.
هل فقدت شيئًا غير المال؟
تردد الرجل للحظة.
لا... فقط المال.
لاحظ نعمان التردد لكنه لم يعلق.
بدأ رجال الأدلة الجنائية فحص الموقع، وفي أثناء ذلك لمح نعمان شيئًا صغيرًا قرب الخزنة.
انحنى والتقط قصاصة ورقية محترقة جزئيًا..لم يبق منها سوى جزء صغير.
لكن الجزء المتبقي احتوى على رسم واضح..ثعبان أسود.
تجمدت نظرات نعمان.
ما هذا؟
سأل الضابط.
أجاب نعمان:
لا أعرف بعد... لكنني أظن أن هذه ليست مجرد سرقة.
في المساء عاد نعمان إلى مكتبه.
أمضى ساعات يراجع تقارير السرقات الأخيرة في المدينة، ومع كل تقرير جديد كان يلاحظ شيئًا متكررًا.
متاجر مستهدفة، خزائن مكسورة،أصحاب متوترون يرفضون الإدلاء بمعلومات كاملة، وفي بعض الملفات
القديمة ظهرت إشارات غامضة إلى رمز الثعبان.
شعر بأن هناك خيطًا خفيًا يربط كل تلك الحوادث.
وقبل أن يغادر المكتب رن هاتفه.
رفع السماعة.
جاءتة صوت خافت ومتوتر:
هل أنت المفتش نعمان؟
نعم.
إذا كنت تريد معرفة الحقيقة... راقب مستودع الميناء القديم الليلة.
من المتحدث؟ ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قال الصوت:
احذر من الثعبان.
وانقطع الاتصال.
بقي نعمان ممسكًا بالسماعة وهو ينظر إلى الفراغ.
لأول مرة منذ بدء التحقيق شعر أن القضية أكبر بكثير من مجرد سرقة متجر.
وكان يجهل أن تلك المكالمة ستكون الخطوة الأولى نحو مواجهة أخطر عصابة عرفتها المدينة.