ظل المفتش نعمان واقفًا أمام الطاولة في منزل طارق الربيعي.
كانت ميدالية الثعبان السوداء والرسالة القصيرة أمامه.."اقتربتم أكثر من اللازم."
قرأ الكلمات عدة مرات، ثم قال لناصر:
"هذه ليست رسالة تهديد فقط."
"ماذا تقصد؟"
"إنها رسالة موجهة لي شخصيًا."
نظر ناصر حوله..كان المنزل مرتبًا بشكل غريب، لا آثار لعراك، لا أبواب مكسورة، ولا علامات اقتحام.
قال:
"يبدو أنه غادر بإرادته."
هز نعمان رأسه ببطء.
"أو أُجبر على المغادرة دون مقاومة."
بدأ فريق الأدلة الجنائية فحص المنزل بالكامل، وبعد ساعات من البحث، لم يعثروا على شيء مهم.
لكن قبل مغادرتهم بلحظات، نادى أحد الفنيين:
"سيدي، أعتقد أنكم تريدون رؤية هذا."
دخل نعمان إلى مكتب طارق، فأشار الفني إلى رف الكتب.
كان أحد المجلدات يبدو أحدث من البقية، فأخرجه نعمان..لم يكن كتابًا حقيقيًا، بل صندوقًا مخفيًا.
فتح الصندوق بحذر، وفي داخله وجد مفتاحًا صغيرًا، وقصاصة ورقية كتب عليها رقم واحد فقط:
500
تبادل نعمان وناصر النظرات.
بدا أن طارق ترك شيئًا خلفه، عن قصد.
استغرق الأمر ساعات حتى توصلوا إلى معنى الرقم..كان يشير إلى صندوق أمانات في أحد البنوك الخاصة.
وفي صباح اليوم التالي حصل نعمان على إذن قانوني بفتح الصندوق.
جلس مدير البنك معهم أثناء الإجراءات، ثم أدخل المفتاح، وانفتح الباب المعدني الصغير.
وجدوا بداخله ملفًا أسود سميكًا، وذاكرة إلكترونية.
قال ناصر:
"يبدو أن طارق كان يستعد لشيء ما."
أخذ نعمان الملف وبدأ قراءته، ومع كل صفحة كان وجهه يزداد جدية.
احتوى الملف على معلومات دقيقة، أسماء تجار، ومبالغ مالية، مواعيد دفع الإتاوات، وصور لبعض أفراد العصابة.
لكن المفاجأة الكبرى كانت وجود قائمة بعنوان:
"المتعاونون."
وتحت العنوان ظهرت أسماء عديدة، موظفون، و سماسرة، حراس، وأصحاب شركات.
كانت العصابة تمتلك شبكة واسعة داخل المدينة..شبكة أكبر بكثير مما توقعه أحد.
أما الذاكرة الإلكترونية فقد احتوت على تسجيلات صوتية.
استمع نعمان إلى أول تسجيل.
وجاءه صوت طارق:
"إذا استمع أحد لهذا التسجيل، فهذا يعني أنني ربما لم أعد حرًا."
نظر ناصر نحوه بدهشة.
وأكملا الاستماع.
"عملت سنوات داخل شركة المجد. كنت أعتقد أن الأمر يتعلق بالتهرب الضريبي فقط. لكنني اكتشفت
لاحقًا شبكة ابتزاز كاملة."
صمت التسجيل للحظة، ثم تابع:
"نعيم الزيدي يعرف جزءًا من الحقيقة... لكنه ليس العقل المدبر."
توقف نعمان فجأة.
كانت هذه ثاني مرة يسمع فيها المعلومة نفسها..نعيم ليس الزعيم الحقيقي.
وفي ذلك اليوم بدأت الشرطة مراقبة عدد من الأسماء الموجودة في الملفن وبعد أيام قليلة ظهرت نتائج مثيرة.
أحد السائقين المذكورين كان يزور مستودعًا مهجورًا بشكل متكرر، ورجل أعمال آخر كان يحول مبالغ مالية
ضخمة إلى حسابات مجهولة..أما أكثر الأسماء إثارة للاهتمام فكان اسم شخص لم يتوقعه أحد.
الرائد يوسف نبيل، أحد ضباط الشرطة.
ساد الصمت داخل غرفة التحقيق.
قال ناصر:
"هل يمكن أن يكون هذا هو المخبر الذي تحدث عنه عباس؟"
أجاب نعمان:
"ربما."
"لكن مجرد وجود اسمه لا يكفي."
"نحتاج إلى دليل."
في تلك الليلة جلس نعمان يراجع تسجيلات المراقبة الخاصة بالرائد يوسف.
كان الرجل يؤدي عمله بصورة طبيعية، ولكن شيئًا واحدًا لفت انتباهه..كلما اقترب التحقيق من معلومة مهمة
كانت العصابة تعرف بها سريعًا، وفي كل مرة تقريبًا كان يوسف حاضرًا في الاجتماعات الداخلية.
بدأت الشكوك تتزايد، لكن نعمان لم يكن مستعدًا للاتهام دون دليل قاطع.
بعد يومين تلقى الفريق خبرًا جديدًا.
أحد المخازن المرتبطة بالعصابة سيشهد عملية تسليم أموال كبيرة، فقرر نعمان نصب كمين سري.
انتشرت قوة صغيرة قرب الموقع، وانتظر الجميع، وبالفعل وصلت شاحنة في الموعد المحدد.
ثم ظهرت سيارة سوداء..ترجل منها ثلاثة رجال..بدأت عملية تبادل الحقائب.
أعطى نعمان الإشارة.
"الآن!"
اندفع رجال الشرطة، وساد الارتباك.
حاول أفراد العصابة الفرار، لكن الشرطة تمكنت من القبض على اثنين منهم، وبينما هرب الثالث وسط الفوضى.
بعد انتهاء العملية، بدأ الضباط تفتيش الحقائب، لكن المفاجأة كانت صادمة..لم تكن تحتوي على أموال، بل على
أوراق بيضاء فقط.
نظر ناصر بدهشة.
"ماذا يحدث؟"
اقترب نعمان من إحدى الحقائب..وجد بداخلها ظرفًا صغيرًا، وقام بفتح الظرف،فسقطت منه ورقة واحدة.
كتب عليها "شكرًا على حضوركم."، وفي أسفل الرسالة ظهر رمز الثعبان الأسود.
شعر نعمان ببرودة تسري في جسده..لقد عرفوا بالكمين مسبقًا، مرة أخرى، وهذا يعني أن الخائن ما زال بينهم.
وفي تلك الليلة، وبينما كان نعمان يغادر مكتبه، وجد ظرفًا مجهولًا فوق سيارته.
فتح الظرف بحذر، ووجد بداخله صورة حديثة..تجمد مكانه..كانت الصورة لعباس مراد.
الشاهد الرئيسي في القضية، لكن ما صدمه حقًا هو ما ظهر في خلفية الصورة..عباس لم يكن أسيرًا.
ولم يكن هاربًا، بل كان يجلس بهدوء مع أحد قادة عصابة الثعبان.
تحت الصورة كتبت جملة واحدة "ليس كل من يخاف... بريئًا."
أغلق نعمان الظرف ببطء، وفجأة أصبح يشك في الرجل الذي اعتبره أهم شاهد في القضية.