ظل المفتش نعمان جالسًا في مكتبه بعد انتهاء المكالمة الغامضة.
كانت كلمات المرأة تتردد في ذهنه
"زعيم الثعبان ليس نعيم الزيدي."
وضع السماعة ببطء، ثم نظر إلى ناصر.
"ماذا لو كانت محقة؟"
قال ناصر:
"عندها نكون نطارد الرجل الخطأ."
"أو الرجل الذي يريدنا شخص ما أن نطارده."
ساد الصمت.
"ففي القضايا الكبرى، لم تكن المشكلة في قلة الأدلة، بل في كثرتها."
"كل دليل قد يكون حقيقة."
"وقد يكون فخًا."
في صباح اليوم التالي استدعى نعمان طارق الربيعي.
دخل الرجل المكتب وهو أكثر توترًا من السابق، وجلس أمام المحقق محاولًا إخفاء ارتباكه.
لكن نعمان وضع أمامه ملف شركة المجد، فتغير لون وجه طارق فورًا.
قال نعمان:
"كنت تعمل لدى نعيم الزيدي."
حاول طارق التماسك.
"منذ سنوات طويلة."
"ولماذا لم تخبرنا؟"
"لأنه أمر لا علاقة له بالقضية."
ابتسم نعمان.
"هذا ما سأقرره أنا."
خفض طارق رأسه، ثم قال:
"كنت مديرًا ماليًا في الشركة."
"ولماذا تركتها؟"
تردد لثوانٍ.
"اكتشفت أمورًا لم تعجبني."
"مثل ماذا؟"
رفع عينيه نحو نعمان.
"أموال تختفي، حسابات لا يمكن تفسيرها، وشحنات لا تظهر في السجلات الرسمية."
شعر ناصر بالاهتمام، أما نعمان فظل صامتًا.
ثم سأل:
"وهل أبلغت أحدًا؟"
"لا."
"لماذا؟"
"لأن الأشخاص الذين يسألون كثيرًا لا يبقون أحياء لفترة طويلة."
بعد انتهاء الاستجواب بدأ الفريق مراجعة سجلات شركة المجد.
كانت البيانات المالية معقدة بشكل متعمد، لكن أحد خبراء الجرائم الاقتصادية اكتشف شيئًا مثيرًا.
كانت هناك تحويلات مالية دورية إلى شركات صغيرة مجهولة، وعند تتبع تلك الشركات تبين أنها لا تمارس
أي نشاط حقيقي..شركات وهمية.
قال ناصر:
"غسيل أموال؟"
أجاب نعمان:
"أو تمويل عمليات العصابة."
وفي الوقت نفسه، كان عباس مراد ما يزال تحت الحماية الأمنية، لكن الرجل بدا قلقًا بشكل غير طبيعي.
وخلال إحدى جلسات الاستجواب قال فجأة:
"أنتم لا تفهمون."
رفع نعمان رأسه.
"ماذا لا نفهم؟"
"العصابة لا تعتمد على القوة فقط."
"ماذا تقصد؟"
تنهد عباس.
"لديهم ملفات عن الجميع، التجار، والموظفون، رجال الأعمال، حتى بعض المسؤولين."
سأل ناصر:
"وكيف حصلوا عليها؟"
أجاب عباس:
"لهذا السبب يخاف الجميع منهم."
"ليس بسبب السلاح."
"بل بسبب الأسرار."
بدأت الصورة تزداد تعقيدًا..العصابة لم تكن مجرد مجموعة لصوص، بل منظمة تجمع المعلومات
وتستخدمها للابتزاز، وكان هذا يفسر خضوع كثير من التجار دون مقاومة.
في تلك الليلة تلقى نعمان تقريرًا جديدًا.
أحد رجال المراقبة كان يتعقب تحركات حارس الزيدي الذي يحمل ميدالية الثعبان، وخلال المراقبة اكتشف
شيئًا غريبًا..الحارس اجتمع سرًا مع رجل مجهول في مخزن خارج المدينة.
تم تصوير اللقاء من مسافة بعيدة، وعندما شاهد نعمان الصور توقف عند إحداها، قام بتكبير الصورة عدة مرات.
ثم ضاقت عيناه..كان يعرف ذلك الوجه.
قال ناصر بدهشة:
"مستحيل."
ظهر في الصورة طارق الربيعي..أصبح المكتب في حالة توتر.
الرجل الذي ادعى الخوف من العصابة كان يجتمع سرًا مع أحد أفرادها.
قال ناصر:
"لقد كذب علينا منذ البداية."
لكن نعمان لم يقتنع بالكامل.
"ربما."
"ماذا تعني ربما؟"
"لأن الكاذب لا يسلم الشرطة وثائق تدينه."
نظر ناصر إلى الصور مرة أخرى، وكان كلام نعمان منطقيًا.
"طارق يخفي شيئًا بالتأكيد."
"لكن طبيعة ذلك الشيء ما زالت مجهولة."
في صباح اليوم التالي توجه نعمان بنفسه إلى المنزل الذي يقيم فيه طارق.
لكن عندما وصل وجد سيارات الشرطة والحشود أمام المبنى، فشعر بانقباض في صدره.
ترجل بسرعة، وتقدم نحو أحد الضباط.
"ماذا حدث؟"
أجاب الضابط:
"تلقينا بلاغًا قبل نصف ساعة."
"عن ماذا؟"
نظر الضابط نحوه بقلق.
"طارق الربيعي اختفى."
تجمد نعمان.
"اختفى؟"
"نعم."
"لكن هذا ليس كل شيء."
"ماذا أيضًا؟"
أشار الضابط نحو باب المنزل.
دخل نعمان، وفي غرفة المكتب الخاصة بطارق وجد شيئًا غريبًا فوق الطاولة، ميدالية ثعبان سوداء.
وبجانبها ورقة واحدة، حملت ثلاث كلمات فقط، "اقتربتم أكثر من اللازم."
وقف نعمان يحدق في الرسالة، ثم أدرك حقيقة مقلقة.
لأول مرة منذ بداية القضية، لم يعد يعرف إن كان طارق ضحية...أم عضوًا في العصابة...
أم الرجل الوحيد القادر على إسقاطها كلها.