Qaed

Share to Social Media

لم يستطع المفتش نعمان النوم تلك الليلة.
ظلت كلمات المرأة المجهولة تتردد في ذهنه:
"الرجل الذي قيل إنه اختفى... لم يختفِ."
كان ذلك كافيًا ليدفعه إلى التحرك فورًا.
بعد أقل من نصف ساعة كان يقود سيارته نحو الميناء القديم، وبرفقته الملازم ناصر.
سأل ناصر:
"هل تعتقد أنها مكيدة؟"
أجاب نعمان:
"ربما."
"ورغم ذلك جئت؟"
"لأن احتمال أن تكون الحقيقة أكبر من احتمال أن تكون فخًا."
وصل الرجلان إلى المخزن رقم عشرة.
كان مبنى قديمًا مهجورًا تحيط به الحاويات الصدئة من كل جانب.
أخرج ناصر مصباحًا يدويًا، ودخلا بحذر.
ساد الصمت..ثم سمعا صوتًا ضعيفًا في الداخل..صوت سعال متكرر، فتبادل الرجلان النظرات.
وتقدما نحو مصدر الصوت..في زاوية مظلمة من المخزن جلس رجل نحيل بلحية طويلة وثياب رثة.
بدا وكأنه لم يرَ الشمس منذ سنوات..رفع رأسه ببطء.
وعندما التقت عيناه بعيني نعمان قال:
"تأخرتم كثيرًا."
تجمد نعمان.
"من أنت؟"
أجاب الرجل:
"اسمي عباس مراد."
عرف نعمان الاسم فورًا، لقد كان أول تاجر أبلغ الشرطة عن عصابة الابتزاز قبل عام،والرجل الذي اختفى
بعد ذلك بأيام.
جلس عباس على صندوق خشبي قديم، وكان واضحًا أنه مر بتجربة قاسية.
قال بصوت متعب:
"لم أختفِ."
"لقد اختطفوني."
"من؟"
"رجال الثعبان."
ساد الصمت..ثم تابع:
"احتجزوني عدة أشهر في مكان مجهول، وحين سنحت لي فرصة الهرب اختبأت."
"لماذا لم تتصل بالشرطة؟"
ابتسم بمرارة.
"لأنني لم أعد أثق بأحد."
نظر إليه نعمان باهتمام.
"ماذا تقصد؟"
تردد الرجل..ثم قال:
"لأن العصابة تعرف كل شيء يحدث داخل الشرطة."
شعر ناصر بالصدمة، أما نعمان فظل هادئًا. لكن هذه الجملة أثارت أخطر احتمال يمكن تخيله.
هل يوجد مخبر للعصابة داخل جهاز الشرطة نفسه؟
أخرج عباس ورقة مطوية من جيبه، وسلمها إلى نعمان.
قال:
هذه هي السبب الحقيقي لكل شيء.
فتح نعمان الورقة، فوجد خريطة بسيطة للمدينة، وعليها عدة علامات حمراء.
كانت جميعها تشير إلى متاجر ومستودعات، لكن إحدى العلامات كانت مختلفة..وضعت فوق مبنى كبير
قرب المنطقة الصناعية.
سأل نعمان:
"ما هذا المكان؟"
خفض عباس صوته.
"مركز عملياتهم."
"هل أنت متأكد؟"
"رأيته بعيني."
وقبل أن يتمكن من إضافة المزيد، دوى صوت رصاصة، فتحطم زجاج إحدى النوافذ، وانغرست الرصاصة
في الجدار خلفهم.
صرخ ناصر:
"أرضًا!"
ارتمى الجميع خلف الصناديق، وتتابعت الطلقات..أصبح واضحًا أن شخصًا ما كان يراقب المخزن.
وأنه لا يريد لعباس أن يتكلم.
أخرج نعمان سلاحه، وحاول تحديد موقع المهاجم..ثم لمح ظلًا فوق سطح مستودع مجاور.
رجل يحمل بندقية، لكن المسافة كانت بعيدة، وبعد ثوانٍ قليلة اختفى الظل بين الظلام.
توقفت الطلقات، وعندما خرج نعمان إلى الخارج لم يجد أحدًا..كان المهاجم قد هرب.
لكن الرسالة كانت واضحة..العصابة تعرف كل خطوة يقوم بها التحقيق.
في صباح اليوم التالي وضع نعمان عباس تحت حماية الشرطة.
ثم بدأ دراسة الخريطة، ووكان الموقع المميز يشير إلى شركة نقل وشحن تُدعى:
"الشروق للخدمات اللوجستية."
رفع ناصر حاجبيه.
"شركة قانونية؟"
"على الأقل في الظاهر."
بدأ الفريق بجمع المعلومات، وخلال ساعات ظهرت مفاجأة جديدة.
مالك الشركة ليس سوى رجل الأعمال المعروف نعيم الزيدي.
ساد الصمت داخل المكتب.
ثم قال ناصر:
"نفس الرجل الذي زرناه أمس."
أومأ نعمان ببطء.
"وهذا يجعل الأمر أكثر إثارة للاهتمام."
وفي المساء تلقى نعمان تقريرًا إضافيًا.
أحد المحللين اكتشف أن عدة شاحنات تابعة للشركة كانت تتنقل ليلًا إلى أماكن لا تظهر في سجلاتها الرسمية.
بعضها يمر قرب المتاجر التي تعرضت للابتزاز، وبعضها قرب المستودعات التي استخدمتها العصابة.
بدأت قطع الصورة تتجمع، ولكن شيئًا ما كان لا يزال ناقصًا.
وقبل انتهاء الدوام بدقائق، دخل أحد الضباط مسرعًا، وكان يحمل ملفًا أحمر.
قال:
"سيدي، وصل هذا الملف من الأرشيف."
"وما أهميته؟"
فتح الضابط الملف على إحدى الصفحات.
ثم قال:
"أثناء مراجعة سجلات شركة الشروق وجدنا اسمًا غريبًا بين الموظفين السابقين."
نظر نعمان إلى الصفحة، وتجمدت عيناه على الاسم، "طارق الربيعي." التاجر الذي جاء طالبًا الحماية.
والرجل الذي سلّمهم الظرف البني.
رفع نعمان رأسه ببطء.
"إذا كان طارق قد عمل سابقًا مع نعيم الزيدي...فربما لم يكن شاهدًا فقط، وربما كان يخفي جزءًا كبيرًا
من الحقيقة"، وفي تلك اللحظة رن هاتف المكتب.
رفع نعمان السماعة، فجائه صوت خافت مألوف..صوت المرأة نفسها.
قالت بسرعة:
"إذا كنتم تراقبون الزيدي، فقد فاتكم شيء أخطر."
"ماذا؟"
ساد الصمت لثانية..ثم قالت:
"زعيم الثعبان ليس نعيم الزيدي."
وأغلقت الخط.
بقي نعمان ممسكًا بالسماعة.
للمرة الأولى منذ بداية القضية، بدأ يشعر أن جميع استنتاجاته قد تكون خاطئة.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.