أشرقت شمس الصباح فوق مدينة مسقط بهدوئها المعتاد، بينما كانت السيارات تتدفق نحو الأحياء الحديثة والجامعات والشركات التي بدأت تستيقظ على يوم جديد.
وقفت روز جورج أمام المرآة في غرفتها للمرة الثالثة خلال عشر دقائق.
تنهدت وهي ترتب خصلات شعرها الأشقر الطويل.
اليوم لم يكن يوماً عادياً..كان أول يوم لها في جامعة مسقط للعلوم التجارية.
ورغم أنها عاشت في سلطنة عمان مع والدها منذ ثلاث سنوات، إلا أن شعور الغربة لم يغادرها تماماً.
التقطت حقيبتها الجامعية ونزلت إلى الطابق السفلي.
كان والدها، مدير إحدى شركات الأدوية البريطانية الكبرى في عمان، يجلس على طاولة الإفطار يراجع بعض الملفات.
ابتسم عندما رآها.
"متوترة؟"
جلست مقابله وهي تحاول إخفاء قلقها.
"قليلاً فقط."
ضحك والدها.
"الجميع يتوتر في أول يوم جامعي."
"حتى أنت؟"
"بالتأكيد. لكنني كنت أخفي ذلك بشكل أفضل."
ابتسمت رغماً عنها.
ثم نهضت بعد دقائق متجهة نحو سيارتها.
كانت مصممة على أن تبدأ حياتها الجامعية الجديدة بطريقة مثالية.
لكن القدر كان يخطط لشيء آخر تماماً.
في الجهة الأخرى من المدينة، كان علي المالكي يخرج من منزل عائلته الكبير.
كان والده واحداً من أشهر رجال الأعمال في سلطنة عمان، وصاحب مجموعة شركات ناجحة في مجالات متعددة.
لكن علي لم يكن يحب أن يُعرف دائماً على أنه "ابن رجل الأعمال".
كان يريد أن يحقق نجاحه بنفسه.
نظر إلى ساعته، تأخر، مرة أخرى.
هز رأسه مبتسماً وهو يركب سيارته.
"سأصل قبل بداية المحاضرة بخمس دقائق... كالعادة."
انطلقت السيارة بسرعة معتدلة عبر شوارع مسقط الواسعة.
بعد نصف ساعة...
كانت روز تسير مسرعة داخل الحرم الجامعي الواسع.
المباني الحديثة، الساحات الخضراء، الطلاب من مختلف الجنسيات.
كل شيء بدا أكبر مما توقعت.
أخرجت هاتفها لتتأكد من موقع قاعة المحاضرات، ولكنها اصطدمت فجأة بأحد الأشخاص عند منعطف
قريب من المكتبة الرئيسية.
سقط الهاتف من يدها مباشرة.
"أوه!"
انحنت بسرعة لالتقاطه، لكن شخصاً آخر التقطه قبلها.
رفعت رأسها بغضب خفيف، فوجدت شاباً ينظر إلى الشاشة ليتأكد أنها لم تنكسر.
كان ذا شعر أسود وبشرة بيضاء وملامح هادئة.
ناولها الهاتف قائلاً:
"يبدو أنه نجا."
أخذته بسرعة.
"لأنه هاتف جيد."
رفع حاجبه.
"أو لأنني أمسكته قبل أن يتحطم."
ردت ببرود:
"أو لأنك كنت سبب سقوطه أساساً."
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه.
"يبدو أن أول يوم جامعي لك ليس مثالياً."
"ومن قال إنه أول يوم لي؟"
"لأنك تنظرين إلى الخريطة كل ثلاثين ثانية."
تجمدت للحظة..ثم شعرت بالإحراج.
ضحك بخفة.
"لا تقلقي، الجميع يفعل ذلك."
تقاطعت نظراتهما لثوانٍ قصيرة، ولسبب لم تستطع تفسيره، شعرت روز بأن الوقت تباطأ قليلاً.
لكنها سرعان ما استعادت توازنها.
"شكراً على الهاتف."
"على الرحب والسعة."
ثم أضاف مبتسماً:
"وأتمنى ألا تصطدمي بأشخاص أكثر خطورة مني."
استدارت وغادرت دون رد، بينما تابعها بنظره لثوانٍ "غريب"، لم يكن يعرف لماذا شعر بالفضول
تجاه تلك الفتاة البريطانية العنيدة.
طوال الطريق إلى قاعة المحاضرات، حاولت روز نسيان اللقاء.
لكنها وجدت نفسها تتذكر ابتسامته المستفزة.
"متعجرف..."، همست بذلك لنفسها.
ثم دخلت القاعة وجلست في أحد المقاعد الأمامية.
وبعد دقائق بدأ الطلاب بالتوافد.
كانت تتصفح جدولها الدراسي عندما سمعت صوتاً مألوفاً خلفها، صوتاً تعرفت عليه فوراً.
التفتت ببطء، واتسعت عيناها.
كان هو..الشاب نفسه.
جلس في الصف المجاور وكأنه لم يحدث شيء.
التقت عيناهما مرة أخرى، وابتسم ابتسامة صغيرة.
أما هي فحولت نظرها فوراً.
"مستحيل..."
بعد انتهاء المحاضرة الأولى، خرج علي مع مجموعة من زملائه.
لكن صورة الفتاة الشقراء لم تغادر ذهنه.
كان هناك شيء مختلف فيها..شيء جعله يرغب في معرفة المزيد عنها.
وفي الوقت نفسه، كانت روز تسير نحو مكتب شؤون الطلاب لإنهاء بعض الإجراءات.
هناك طلب منها الموظف مراجعة قائمة مشروع الطلاب الجدد.
أخذت الورقة دون اهتمام، ثم بدأت تتفحص الأسماء، وفجأة...توقفت..تجمدت في مكانها.
وأعادت قراءة الاسم مرة ثانية، ثم ثالثة، "لا...هذا لا يمكن أن يكون صدفة."
كان الاسم المكتوب أمامها واضحاً تماماً، علي المالكي.
شريكها في أول مشروع جامعي إجباري لهذا الفصل.
الشاب نفسه الذي أقسمت قبل ساعة فقط أنها لا ترغب في رؤيته مرة أخرى.
رفعت رأسها بصدمة وهمست:
"لا بد أنك تمزح معي..."
لكن الورقة بقيت صامتة، وكأنها تؤكد لها أن هذا اللقاء لم يكن النهاية...بل البداية فقط.