Qaed

Share to Social Media

لم تستطع روز تصديق ما تراه.
ظلت تحدق في الورقة لعدة ثوانٍ وكأن الاسم المكتوب أمامها سيتغير إذا واصلت النظر إليه.
لكن الحقيقة بقيت كما هي، علي المالكي.
شريكها في مشروع "مبادئ إدارة الأعمال" الذي سيمتد طوال الفصل الدراسي الأول.
أغلقت الورقة بعصبية.
"رائع... أول شخص اصطدمت به في الجامعة أصبح شريكي أيضاً."
تنهدت وغادرت المكتب.
في الجهة الأخرى من الحرم الجامعي، كان علي جالساً مع صديقه المقرب ناصر في مقهى الجامعة.
"تبدو سعيداً اليوم."
ابتسم علي.
"لا شيء مهم."
"أعرف هذه الابتسامة."
"أي ابتسامة؟"
"ابتسامة الشخص الذي وجد شيئاً مثيراً للاهتمام."
هز علي رأسه ضاحكاً.
رن هاتفه، وفتح الرسالة القادمة من إدارة الكلية، وكانت تحتوي على قائمة شركاء المشاريع.
توقف عند اسم معين، روز جورج.
ابتسم دون وعي.
"يبدو أن القدر لديه حس فكاهي غريب."
في صباح اليوم التالي، أعلنت الدكتورة سعاد بداية العمل على المشروع الأول.
وقفت أمام الطلاب وقالت:
"هذا المشروع يمثل ثلاثين بالمئة من الدرجة النهائية، لذلك أتوقع منكم تعاوناً كاملاً."
ثم بدأت تنادي أسماء الفرق، وعندما وصل الدور إليهما قالت:
"علي المالكي... روز جورج."
شعرت روز بأن أنظار القاعة كلها تتجه نحوها.
أما علي فنهض بهدوء واتجه نحو المقعد المجاور لها.
جلس وهو يقول:
"صباح الخير يا شريكتي."
ردت دون أن تنظر إليه:
"لا ترفع سقف توقعاتك."
رفع حاجبه.
"بداية ودية جداً."
"أنا فقط أحب الوضوح."
ابتسم.
"وأنا أيضاً."
بعد انتهاء المحاضرة، جلس الاثنان في مكتبة الجامعة لمناقشة المشروع.
وضعت روز الحاسوب المحمول أمامها.
"لدينا ثلاثة أسابيع فقط."
"وقت كافٍ."
"ليس إذا كنت ستتعامل مع الأمر باستهتار."
نظر إليها باستغراب.
"ومن قال إنني مستهتر؟"
"الأشخاص الذين يتأخرون عن محاضراتهم عادة ليسوا الأكثر التزاماً."
ضحك علي.
"كنت تراقبينني؟"
شعرت بالحرج فوراً.
"لم أكن أراقبك."
"إذاً كيف عرفت أنني تأخرت؟"
تلعثمت للحظة، فازدادت ابتسامته اتساعاً.
"فهمت."
"لا تفهم شيئاً."
"بالتأكيد."
بدأ الاثنان في تقسيم المهام، لكن الخلاف ظهر سريعاً.
كانت روز منظمة بشكل مبالغ فيه، تسجل كل ملاحظة، وترتب كل خطوة مسبقاً.
أما علي فكان يفضل العمل بطريقة أكثر مرونة.
قالت وهي تشير إلى الشاشة:
"يجب أن نحدد كل التفاصيل الآن."
رد:
"يمكننا تعديل بعضها لاحقاً."
"هذا ليس احترافياً."
"بل عملي."
"لا، إنه فوضوي."
"وأنتِ تبالغين في التعقيد."
تبادلا النظرات للحظات، ثم ساد الصمت.
شعرت روز بالانزعاج، بينما وجد علي نفسه مستمتعاً بشكل غريب بهذا الجدال.
بعد ساعة من العمل، خرجا من المكتبة.
وأثناء سيرهما في الممر الرئيسي، اصطدمت إحدى الطالبات بروز دون قصد.
تناثرت الكتب والأوراق على الأرض، فانحنت روز بسرعة لجمعها.
لكن قبل أن تفعل، كان علي قد سبقها، وركع على الأرض وجمع الأوراق المتناثرة.
ثم أعاد ترتيبها بعناية قبل أن يسلمها لها.
"تفضلي."
نظرت إليه بدهشة.
"شكراً."
"هذه أول مرة تشكرينني فيها."
"لا تعتد على ذلك."
ضحك، وأما هي فوجدت نفسها تكافح حتى لا تبتسم.
في الأيام التالية، استمر العمل بينهما.
وكلما قضيا وقتاً أطول معاً، بدأت صورة كل منهما تتغير في ذهن الآخر.
اكتشفت روز أن علي ليس الشاب المدلل الذي تخيلته، لقد كان ذكياً، وطموحاً، ويعمل بجد أكثر مما يظهر.
أما علي فاكتشف أن خلف شخصية روز الصارمة فتاة طيبة تخفي الكثير من القلق والرغبة في إثبات نفسها.
لكن أياً منهما لم يعترف بذلك.
وفي إحدى الأمسيات، بينما كانت روز تتجه نحو موقف السيارات بعد انتهاء المحاضرات، سمعت صوتين قريبين من مبنى الإدارة، فتوقفت دون قصد.
كان أحد المتحدثين موظفاً جامعياً، أما الآخر فلم تستطع رؤيته.
قال الموظف بصوت منخفض:
"لا تقلق... لم يكتشف أحد شيئاً حتى الآن."
ثم جاء الرد:
"يجب أن يبقى الأمر سراً، خاصة بالنسبة لعلي."
تجمدت روز مكانها.
"علي؟ ماذا يقصدان؟"
تابعت الاستماع دون أن تشعر.
قال الرجل الآخر:
"إذا عرف الحقيقة الآن فستحدث كارثة."
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
"حقيقة؟ أي حقيقة؟ ومن هو هذا الشخص؟"
وفجأة سمعت خطوات تقترب، فابتعدت بسرعة قبل أن يراها أحد.
لكن الكلمات بقيت تتردد داخل رأسها طوال الطريق إلى المنزل.
في تلك الليلة، جلست روز على سريرها وهي تحدق في شاشة هاتفها، لقد كانت تحاول إقناع نفسها بأن الأمر لا يعنيها.
لكن فضولها كان أقوى، "ماذا يخفي علي؟ ولماذا يتحدث الناس عنه بهذه السرية؟
هل كان كل ما رأته منه مجرد قناع؟ أم أن هناك شيئاً أكبر بكثير لا تعرفه بعد؟"
وفي اللحظة التي كانت تغلق فيها الهاتف، وصلت رسالة جديدة من رقم مجهول.
احتوت على جملة واحدة فقط:
"إذا كنتِ تريدين معرفة حقيقة علي المالكي... فابدئي بالبحث في ماضي عائلته."
شعرت بأن قلبها توقف لثانية، ثم أعادت قراءة الرسالة مرة أخرى، ومرة ثالثة.
لكن الكلمات لم تتغير، وكانت تلك هي اللحظة التي أدركت فيها أن شراكتها مع علي قد تكون أخطر
بكثير مما تخيلت.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.