Qaed

Share to Social Media

لم تنم روز جيداً تلك الليلة.
كانت الرسالة المجهولة تتكرر داخل رأسها بلا توقف.
"إذا كنتِ تريدين معرفة حقيقة علي المالكي... فابدئي بالبحث في ماضي عائلته."
من أرسلها؟ ولماذا؟ وهل كانت صحيحة أم مجرد محاولة لإثارة الشكوك؟
تنهدت وهي تنظر إلى سقف غرفتها.
كانت تعلم أن تجاهل الأمر هو الخيار الأفضل، لكن فضولها لم يسمح لها بذلك.
في صباح اليوم التالي، وصلت إلى الجامعة مبكراً.
جلست في المقهى القريب من مبنى الإدارة وهي تراقب الطلاب يدخلون ويخرجون.
بعد دقائق لمحت علي.
كان يحمل عدة ملفات تحت ذراعه ويتحدث مع أحد الأساتذة. بدا طبيعياً تماماً، هادئاً، واثقاً.
بل وحتى محترماً. لم يظهر عليه أي شيء يوحي بأنه يخفي سراً خطيراً.
"ربما تكون الرسالة مجرد مزحة..." همست بذلك لنفسها.
لكن الشك بقي قائماً.
خلال الاستراحة، قررت أن تسأل بعض الطلاب عنه بطريقة غير مباشرة.
كانت البداية مع زميلتها الجديدة فاطمة.
سألتها وهي تتظاهر باللامبالاة:
"هل تعرفين علي المالكي جيداً؟"
ابتسمت فاطمة.
"الجميع يعرفه."
"حقاً؟"
"نعم. إنه من أكثر الطلاب احتراماً في الكلية."
تفاجأت روز.
"احتراماً؟"
"بالتأكيد. يساعد الكثير من الطلاب ويشارك في الأنشطة التطوعية."
صمتت روز للحظة.
ثم سألت:
"ولا توجد أي مشاكل تتعلق به؟"
ترددت فاطمة قليلاً."
"لا أعلم... لكن البعض يقول إنه غامض أحياناً."
" وما معنى اسم علي المالكي؟"
ضحكت فاطمة وهي تنظر الى روز بمودة
" علي اسم عربي يعني العالي الشي العالي والمالكي لقب ومعناة المالك".
لاحقاً، سألت طالباً آخر.
فجاءت الإجابة مختلفة تماماً.
"علي؟"
هز الطالب كتفيه.
"لا أثق كثيراً بالأشخاص الذين يملكون كل شيء."
"ماذا تقصد؟"
"والده من كبار رجال الأعمال، ومع ذلك يتصرف وكأنه شخص عادي."
"أليس هذا أمراً جيداً؟"
ابتسم بسخرية.
"أو ربما مجرد تمثيل جيد."
ازدادت حيرة روز، لقد كان كل شخص يقدم لها صورة مختلفة، وكأن الجميع يتحدث عن أشخاص مختلفين.
بعد انتهاء المحاضرات، اجتمعت مع علي للعمل على المشروع.
جلسا في إحدى القاعات الدراسية الفارغة، وفتح الحاسوب وبدأ بمراجعة البيانات.
قالت روز فجأة:
"هل الجميع في الجامعة يعرفك؟"
رفع رأسه باستغراب.
"سؤال غريب."
"مجرد فضول."
ابتسم.
"لا أعتقد أن الجميع يعرفني."
"لكن الكثيرين يعرفون اسمك."
أغلق الحاسوب قليلاً.
"بسبب والدي غالباً."
"هل يزعجك ذلك؟"
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قال بهدوء:
"أحياناً."
تفاجأت من صراحته.
"لماذا؟"
"لأن الناس يحكمون علي قبل أن يعرفوني."
توقفت روز عن الكتابة، لسبب ما شعرت أن كلامه صادق.
في الأسبوع التالي، طلبت الجامعة من الطلاب المشاركة في فعالية خيرية لدعم مركز لرعاية الأطفال.
لم تكن روز متحمسة كثيراً للفكرة، لكن المشاركة كانت جزءاً من الأنشطة المطلوبة.
وصلت مع بقية الطلاب إلى المركز.
وبينما كانت تساعد في تنظيم بعض الألعاب، اختفى علي فجأة من المكان.
استغربت من ذلك، وبدافع الفضول بدأت تبحث عنه، حتى وصلت إلى حديقة صغيرة خلف المبنى.
وهناك رأته.
كان يجلس على الأرض بين مجموعة من الأطفال، يضحك معهم، ويروي لهم قصة مضحكة.
وأحد الأطفال الصغار كان متعلقاً بذراعه وكأنه يعرفه منذ سنوات.
توقفت روز مكانها.
لم يكن يعلم أنها تراقبه، ولذلك لم يكن يمثل أو يحاول الظهور بصورة معينة.
كان عفوياً تماماً، وحقيقياً.
بعد دقائق اقتربت منه إحدى المشرفات.
قالت مبتسمة:
"سعيدون لأنك عدت لزيارتنا يا علي."
أجابها:
"وعدتهم بذلك."
"الأطفال كانوا يسألون عنك كل أسبوع."
شعرت روز بالدهشة.
"إذن لم تكن هذه زيارته الأولى."
في طريق العودة إلى الجامعة، جلسا في الحافلة نفسها.
ولأول مرة ساد بينهما هدوء مريح.
قالت روز وهي تنظر من النافذة:
"لم أكن أعلم أنك تزور المركز باستمرار."
نظر إليها باستغراب.
"كيف عرفتِ؟"
"رأيتك هناك."
ابتسم بخفة.
"أحب ذلك المكان."
"لماذا؟"
نظر للحظة إلى الخارج.
ثم قال:
"عندما كنت صغيراً مررت بفترة صعبة، وكان هناك أشخاص ساعدوني كثيراً. أحاول فقط رد الجميل."
لم تعرف ماذا تقول، ولأول مرة رأت جانباً مختلفاً منه، جانباً لم يخبرها عنه أحد.
خلال الأيام التالية، بدأت علاقتهما تتحسن تدريجياً.
لم تعد النقاشات تنتهي دائماً بالخلاف، وأصبحا يعملان كفريق أفضل. بل إنهما ضحكا معاً لأول مرة أثناء
إعداد المشروع.
وفي إحدى الأمسيات، وبينما كانا يغادران المكتبة، توقف المطر فجأة بعد عاصفة قصيرة.
وقفت روز تحت المظلة عند المدخل، أما علي فوقف بجانبها.
ساد الصمت للحظات، ثم التقت عيناهما، ولأول مرة لم تشعر بالحاجة إلى النظر بعيداً.
ابتسمت دون أن تشعر، فبادلها الابتسامة، وفي تلك اللحظة القصيرة شعرت بشيء غريب.
شيء لم ترغب في الاعتراف به حتى لنفسها. لكن الهدوء لم يدم طويلاً.
في مساء اليوم نفسه، كانت روز تبحث عن بعض المراجع لمشروعهما.
وأثناء تصفحها أحد المواقع الخاصة بخريجي المدارس الدولية في عمان، لفت انتباهها ملف قديم مرفق بصورة.
فتحت الصورة بلا اهتمام. لكنها تجمدت فجأة. كان الشخص الظاهر في الصورة مألوفاً جداً. مألوفاً بشكل صادم.
قربت الشاشة أكثر، ثم اتسعت عيناها. كان علي يقف بجانب رجل تعرفه جيداً. رجل لم تتوقع أبداً أن تراه مرتبطاً به.
الرجل نفسه الذي كانت والدتها الراحلة تتحدث عنه قبل سنوات طويلة.
سقط الهاتف من بين أصابعها المرتجفة، وأعادت النظر إلى الصورة مرة أخرى.
ثم همست بصوت خافت:
"مستحيل...كيف يمكن أن يكون علي مرتبطاً بهذا الشخص؟ وما الذي أخفاه عنها طوال هذا الوقت؟"
في تلك اللحظة فقط أدركت أن السر الذي يحيط بعلي أكبر بكثير مما تخيلت.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.