وصلنا الى المول، لم تكن المسافة شاقة. طيلة الوقت كان الصغير يسأل براء متى سنصل؟ هل سنلعب بالالعاب أم سنأكل؟ أم هل سنشتري الحلوى؟.
وبراء كعادته لا يترك في ذهن الصغير سؤالا دون إجابة. حسنا، الآن نقف امام مول شاميلا. باب زجاجي عند المدخل ولافته كبيرة فوقه باسم المول. قرر براء خطتنا التالية...
شراء حلوى لهادي، وأخذ جولة قصيرة في قسم الأحذية. يريد شراء واحد، رغم ان آخر مرة اشترى بها حذاءا كان منذ سته أشهر.
فزعني بشدة صوت تكحيط كفرات سيارة المفاجئ. سرت ببدني رعشة خفيفة، إلتفتت لأرى من ذاك الحمار الذي أفزع السكون بهذا الشكل. وجدتها فتاة، اصطفت سيارتها بطريقة سريعة كما لو انها متسابقة.
سيارة صفراء صغيرة ومرتفعة عن الارض. انتشر التراب للحظات ثم نزلت الحمقاء بهدوء وببساطة لا تتناسب مع ما فعلته قبل قليل!.
سببت في نفسي وهمست :
"هما الستات دايما سواقتهم مجنونة، معرفش ليه؟ ما يسيبوا السواقة للرجالة ويشوفولهم شغلة تانية"
لكن لحظات، دققت بملامح الفتاة مجددا. حتى يتبين لي الامر..
ببساطة، ليست فتاة!.
كان ولدا شعره طويل يصل لكتفه وبعض خصلاته مصبوغة بالاشقر!. حليق الذقن تماما وبدا انه عشريني. يرتدي تي شيرت وردي اللون وسروال كاجوال! وسلسلة فضة تلمع في عنقه.
اللعنة!. ظننته فتاه مراهقة غبية. ولكن على كل حال، هو غبي هو الآخر. بل أسوأ!. ما هذه الملابس التي اصبحت منتشرة بين فتيان هذا الزمان؟ تبا! لم أعد أفهم هذا الجيل!. اين الرجولة؟.
لا لحظة، أشك انها تبكي في الزاوية!.. لما أتيت هنا وآلمت عيني بالنظر الى تلك الاشكال؟.
يبدوا ان براء لاحظ تحديقي المطول بذاك الشاب فقال : "في حاجة يا آسر؟"
زفرت وقررت عدم التفكير بالأمر، فهذا ليس من شأني بالنهاية وقلت : "لا مفيش"
ثم دفعته برفق وقلت : "يلا ننجز، انت عارف اني ما بحبش الدوشة"
ضحك وقال مخففا الحدة كعادته : "ما هو لازم تخرج من انطوائيتك دي وتتفاعل مع المجتمع"
"لما المجتمع يتعدل هبقى افكر"
●●●
دخلنا الى المول بعدها. بالطبع مزدحم. بتت اشك من الاساس ان كل سكان القاهرة قرروا الاجتماع هنا. رائحة العرق، اصوات المكيفات، صوت خطوات الناس، صوت اطفالهم.
هناك صوت لطفل رضيع يبكي على بعض امتار قليلة من حيث أقف. انشغال العاملين في محاولة مواكبة كل هذا الحشد. لوهلة شعرت انني دخلت لعالم لا يشبهني..
لم افكر وقررت فقط ان ننهي خروجتنا تلك ومن ثم سأعود المنزل اشرب شاي بالنعناع وسأجلس تحت التكيف وربما قد افتح تطبيق DailyArt فلي مدة لم انظر للوحات.
الاهم من كل هذا هو انني سأخذ حبوب الحساسية ومسكناتي فصداعي الجميل قرر زيارتي وقد بدأ للتو يطرق خلف عينيّ ويضيق على صدغيّ كعادته.
"خالو براء انا عاوز الالعاب"
"لا، حاجة حلوة وبس"
"ليه؟"
"الدنيا زحمة، نشتري المهم ومن ثم نروح مكان تاني اوكيه؟"
صاح الصغير بمرح : "يسسسس"
اما انا فلم تنتقل لي بهجة هادي، العكس... فقد شعرت بإزدياد الصداع في جبهتي للحظات حينما ذكر براء الذهاب لمكان آخر.
مكان آخر أي زحمة أخرى وضجة أسوأ.
اقتربت منه وهمست : "على فكرة ما اتفقناش على كدا؟"
"هنعمل ايه؟ الزحمة زي ما انت شايف"
"مليش دعوة"
"هو ايه اللي ملكش دعوة يا براء؟"
مزح قائلا : "أليس كل هذا من أجل عيون الصغير؟"
"طبعا بس..."
"يبقى لازم نفرحه، لعلمك فكرك يعني اني حابب المكان؟ انا لو على نفسي عاوز ارجع البيت عشان أقرأ"
"طب ليه جيت؟"
"عشان روميساء طردتني وقلت بالمرة اشوف جزمة جديدة"
"جزمة في دماغك"
"ميرسي، يلا بقا عشان هادي مش هيفضل مستني الحوار يخلص"
إلتفت الى هادي وقال : "صح يا دودي؟"
أومأ الصغير وقال بحزن، مشيرا الى علبة دائرية بها العديد من الكرات الملونة من اللبان : "انا عاوز كاندي"
اجاب براء : "دي حاجات ملوثة هجيب لك الاحسن"
لوهلة شعرت بالسخف. من كل شيء. حسنا انا من وافقت على المجيء فعلي التحمل.
اخرجت سماعتي الايربودز. اوصلتها بالبلوتوث بهاتفي ثم شغلت اغنية عشوائية من احدى أغاني فرقتي المحببة الى قلبي. "كايروكي"
لحظات ثم بدأت الأغنية.
*غمض عينك*
*لو حتى دقيقة*
*انت الأغنية*
*والدنيا المزيكة*
بدأ قلبي ينبض مع ايقاع الاغنية. تشعرك بسعادة وراحة عجيبة!.
لكن لم تكتمل السعادة كالعادة. فجأة رن هاتفي مما قطع عليّ سماع كلمات الاغنية.
تكشرت ملامحي للحظات ثم اخرجته من جيبي لأرى المتصل. كان اتصالا من والدي على الواتساب.
لوهلة استغربت ظللت محدقا بشاشة الهاتف وكأنني نسيت الباسورد.
والدي؟ هل هناك شيء؟ هل يحتاجني في شيء؟ هل يشعر بتعب؟
لم اترك الاتصال ينتهي خلال تفكيري وفقط. فتحت الواتساب فكانت رسالة واحدة المرسلة منه.
"اسر، عامل ايه؟"
ارتفعت زاوية شفتي وأجبت بسرعة : "تمام انا كويس"
لا أعلم لماذا شعرت بشيء غريب في صدري حين رأيت رسالته، لكنها كانت مجرد رسالة عادية… أو هكذا ظننت.