نظرت حولي لوهلة، زفرت بضيق ثم بدأنا العمل. بالطبع لن نضيع الوقت بالتحديق في هوية الجثة.
اخذ براء هادي الصغير وخرجا من المول، سيعيد الصبي لأمه وسيعود ليبدأ عمله.
وصلت قوات الأمن كما طلبنا. بدأوا عملهم بتأمين المكان ومنع الفضوليين عن الدخول.
اصوات تنتشر هنا وهناك، صوت احذيتهم وخطواتهم الحازمة وهي تدك على الارض.
بالطبع تم إخطار فريق الأدلة الجنائية والطب الشرعي، ربما نصف ساعة وسيصلوا.
لمحت علاوي يقف مبتعدا يكتب شيئا ما في دفتره. ناديته بنبرة صارمة : "علي!"
ارتجف لوهلة ثم سرعان ما أتى نحوي وأدى التحية.
"اوامر يا باشا؟"
مسحت على ذقني وأجبت : "سجلتوا اسماء الموجودين؟"
أومأ واجاب مسرعا : "ايوه يا باشا، حاليا كنت بسجلهم، هخلص وهبعتها"
هززت موافقا، فقال : "اي حاجة تاني؟"
لم يعجبني دور التلميذ النجيب هذا، فانا لست بجلاد حتى يتعامل معي بكل هذا الخوف، ربتت على كتفه كي اخفف حدة التوتر، لا ألومه فالوضع هنا لخبط مشاعري، وتوتر الناس ازعجني.
قلت : "لا شكرا"
غادر علي، إلتفت مجددا لأستكمل المعاينة الأولية. رمقت مسرح الجريمة بنظرة ثاقبة.
أرى الآن ان المكان قد تم اخلاءه تماما من الناس، ضباط شرطة منتشرون رائحة الجثة والدماء بدأت تغطي على رائحة الاطعمة.
ارض المسرح بيضاء سراميكية بدأ يتحول لونها الى الاحمر القاني.
على كلا الجانبين مطابخ وفي الزوايا طاولات وكراسي ليست موضوعة بأماكنها الصحيحة، اكواب مقلوبة وصواني متروكة.
عند يسار المكان، في الزاوية... الشاشة الساقطة على جثة الشاب.
نظرت لأعلى، الكثير من الاسلاك المقطوعة. اقتربت من الجثة، ارتديت قفازي ثم نظرت الى الشاشة مجددا اثناء محاولتي ألا يتلطخ حذائي بالدم. يبدو انه هناك مسامير وعدة صواميل غير موجودة.
المسامير والصواميل المختفية.... هذه الأشياء لا تختفي وحدها.
هناك من عبث وهناك من أراد ان تسقط الشاشة على رأس الضحية في وسط مول تجاري مزدحم.
أرادها ان تبدوا حادثة عرضية. وان يصدق الناس انها امر عادي. لكن في الحقيقة هذا ليس عاديا، مول كهذا لا بد ان تكون مثل هذه الاشياء المعلقة محكمة وآمنه.
إلا في حالتين.. اما ان يتم تركيبها خطأ، او ان يكون هناك من عبث!.
وأرجح الخيار الثاني لأني لا أرى الصواميل هنا. فبعض الاجزاء مفقودة.
●●●
نظرت الى جثة الشاب. عيناه مفتوحتان على مصرعيهما، ثابتتين، وكأنهما لم تستوعبا بعد ما حدث له، وكأنه ينتظر من ينقذه.
نهضت من على الارض، إلتفت حولي.
الناس كما هم، كل شيء كما هو. لكني اعلم ان واحدا منهم بلا شك هو الفاعل. حاولت البحث عنه، بين ذاك الحشد..
عن شاب يرتدي جاكيت جينز وسروال جينز، وقميص ابيض يلمع من نصاعته.
لم اجده، إذا براء لم يعد بعد. نظرت الى ساعة يدي كانت تشير الى ١:٥٨ ظهرا. هل هذا طبيعي ام انه تأخر؟.
فجأة رن هاتفي، توقعت انه سيكون براء. لكن سرعان ما انعقد حاجباي عندما رأيت الاسم.
كان والدي.. اتصال اخر من واتساب لثاني مرة في هذا اليوم!.
لم افكر رغم الشعور الغريب الذي يراودني ويقبض على قلبي، رغم انها مجرد مكالمة عادية!.
انزحت الى أقرب زاوية فارغة لا يصل اليها صوت الحشود كليا.
فتحت التطبيق فوجدت الرسالة :
"اسر فينك؟"
شيء ما في داخلي أمرني بالرد، وشيء أخر رفض. لكن بالنهاية..
اجبت : "في الشغل حاليا، في جريمة حصلت"
اغلقت الهاتف سريعا ثم اسقطته في جيب سروالي. رفعت رأسي ومسحت المكان حولي بنظرة.
براء لم يصل. لمحت علي، صادف انه كان ينظر إلي فأشرت له بيدي ان يأتي.
أتى علي فسألته بسرعة قبل ان يتفوه بأي كلمة : "الرائد براء جه؟"
"لسه يا فندم"
دق قلبي ثم صمت لثانية قبل ان يعود للنبض مجددا، أومأت : "طيب تمام"
لا اعرف ما بي، ولكن ضربات قلبي تتسارع، انفاسي بدأت تضيق وبدون سبب واضح، في داخلي أشعر أن هناك شيئا ما ليس صحيحا!.
لا استطيع تحديده او كشفه ولكني اشعر به. لا اعلم أكان هذا من إرهاقي وتغلب جيوبي الانفية عليّ كعادتها ام ماذا؟.
ولكني في ذات الوقت، اشعر برغبة ان تكون كل هذه الافكار فقط داخل عقلي وليست حقيقة.