المكان هادئ تماما كما قال آسر... هدوء يسبق عاصفة. اصطففت سيارتي في جراج قديم مفتوح، متذكرا تلك الرسالة....
(لو عاوز تعرف ليه؟..... تعال المصنع القديم لوحدك)
زفرت بضيق ثم اغلقت باب السيارة خلفي حينما خرجت. صوت صدى خطواتي هو الوحيد ما يقطع هذا السكون الذي بات مريبا.
نسمة هواء باردة ارتطمت بعظامي فذكرتني بموضع اصابتي السابقة بالطلق الناري، لكن من الجيد انني أتيت بجاكتي الاسود الشتوي. وضعت يداي في جيبيّ مستشعرا الدفء الذي يلفّني.
اكملت سيري واثقا من وجهتي. وصلت الى المصنع القديم المهجور، على اطراف المدينة....
مع اول خطوة خطوتها للداخل تأكدت بتلقائية من مسدسي للمرة الألف. سيارات قديمة هياكلها متآكلة وصدئة. لفت نظري السيارة الــ BMW النبيتيه. اتسعت عيناي وازدادت نبضات قلبي متذكرا إياها. هي نفسها السيارة التي كادت تدعس آسر منذ ثلاثة اسابيع تقريبا. قادتني قدماي دون تفكير نحو لوحة الأرقام، اخرجت هاتفي ثم التقطت صورة للوحة وللسيارة.
صوت خطوات يقترب، رفعت رأسي.. فوجدته!.
هو نبيل!. شكله لم يتغير منذ ايام الثانوية. فاح عطره في أرجاء المكان، على وجهه ابتسامة خبيثة تظهر اسنانا ناصعة. ويداه يخفيهما خلف بدلته السوداء.
أمال رأسه قليلا قائلا بصوته الرخيم : "بنجور يا ميسو براء"
رفعت رأسي وفردت ظهري قائلا بسخرية بينما عيناي تترقبانه : "نبيل؟ عايز ايه؟ لسه بتفشخ دماغ القطط ولا كبرت على كدا؟"
ابتسم وزفر باستخفاف، اقترب خطوتان وقال :
"تصدق ليك وحشه انت والحقير صاحبك"
إلتفت نحو السيارة وقال :
"ايه رأيك بالمزة؟ لسه شاريها وكنت حابب اجربها على زميل قديم من قبل كم اسبوع"
اللعنة، ابتسامته وسيارته.... كفيلان أن يؤكدا لي كل شيء!.
أجبت بحدة لا تقبل جدال : "انت عاوز ايه؟ وليه اسر؟"
ابتسم قائلا : "مش عارف ليه؟ يا خسارة فكرتك اذكى من كدا وانك اكيد هتكتشف بسرعة يا براء"
"نبيل متستظرفش"
دار حول سيارته فتراجعت للخلف حينما لمحت شيء حاد يلمع بيده وازدردت ريقي، ثم قال :
"ببساطة، مش بحب اسر"
صحت دون ان ادري لكني كنت أشعر بالدم يغلي في رأسي: "مش بتحبه ابعد عنه! نبيل انت من ساعة قضيتك اللي حصلت في ثانوية عامة وانت مش سايبنا في حالنا!. دي مش اول مرة تستهدف اسر!"
توقف وقال بهدوء اخطر من الصياح : "اخطأت يا برو مش اسر بس، وإلا انا ليه جايبك هنا وحدك؟"
وفجأة اندفع نحوي بسكينته... تراجعت للخلف بكل ما املك من طاقة وابعدت رأسي عن السكينة التي خدشت الجدار بجوار رأسي.
اصطدم ظهري بالجدار وشعرت بملمسه الخشن في مؤخرة رأسي.
امسكت يد نبيل التي يحاول بها طعني بالسكينة وصحت :
"نبيل انت اتجننت؟ هتضرب ضابط مباحث؟"
ابتسم وقال : "محدش هيعرف انه اتضرب لانه محدش هيعرف مكانه"
ازدردت ريقي ولا زلت محاولا ابعاد السكينة عني. حاولت بيدي الثانية ان أوقفه لكنه ثبتها بيده الأخرى في الجدار. شعرت بتكحيطة الجدار لجلدي لكني لم اهتم، الخطر الاكبر في تلك السكينة، فقوته ضعفت من المجهود ولا اظن انني سأصمد طويلا امام قوته تلك..
اللعنة ما هذه القوة؟ ام انها نتيجة الكراهية؟ سحقا!.
شعرت ان المحاولة الآن ليست سوى تأجيل الخطر. قرّب نبيل وجهه من وجهي قائلا :
"ببساطة بكرهك انت كمان يا براء"
برأسي قمت بتسديد ضربة فنزف جبينه بينما شعرت بصداع لحظي. ضحك المجنون وكأنه حصل على حلوى...
اردف قائلا : "كمل يا براء! حلوة محاولاتك البائسة دي!"
لم اجب، فاكمل قائلا بنبرة منخفضة :
"بكرهك، انت واسر انتوا السبب في كل اللي بيحصل، انتوا نسيتوا بس انا لا"
اشتد صداعي فصحت :
"ااااااههه يا مجنون! انت الغلطان! واسر ما عملش غير الصح!"
ثم تلاها ضربة ركبة سددتها لمعدته فتراجع للخلف خطوتين لكنه لم يترك السكينة. تحررت من قبضته فابتعدت عنه بضع خطوات لكني توقفت حينما وجدت ان الأرض تميل من تحتي بشكل مرعب. معصماي يؤلمانني والصداع اشبه بمطرقة حديد تطرق على رأسي بلا رحمة!. رأسي طرق كأنه سينفجر من قوة الضغط. رغم ذلك اكملت سيري مبتعدا، عليّ الابتعاد عن ذاك المجنون وحالتي الآن لا تسمح لي بالمزيد من المواجهة!. سحقا!. تعثرت بشيء ما ملقى على الارض! لم أنتبه، تقريبا كنت اسير وعيناي نصف مغمضتين. لم ألحق النهوض ضربة قاسية سددت لمؤخرة رأسي. شعرت بدوار لحظي واهتزت الرؤية، لوهلة شعرت بخفة غريبة احتلت رأسي. شعرت ببرودة بدأت تتسلل لأطرافي لكني لم اهتم. زحفت قليلا الى ان استطعت ان اكون شبه واقف، استندت لسيارة قديمة متربة ثم اخرجت سلاحي.
صحت : "ابعد احسنلك!"
كنت أراه كسواد يقترب ملامحه لم تعد ظاهره لكني اسمع بوضوح صوت خطواته تلاها ضحكة ساخرة وقال :
"هتعمل ايه وانت بتنزف؟"
بنزف؟....
لم افهم قصده... لكني بدون تفكير وبعد معاناة كي اثبت نظري على الهدف اطلقت النار...
اتت الرصاصة في ساقه فصاح متألما وسقط أرضا. لم أريدها في عضو حيوي فأنا لا اريده ميتا الآن. أخذ يسبّ ويلعن ويتوعد بالهراء، لم اهتم ولم التفت له. عاد الدوار اقوى، شعرت ببلل يغطي رقبتي من الخلف وما ان مررت يدي على رأسي حتى ارتجف بدني!.
لا اعلم بما ضربني ذاك االعين لكن ما اعلمه هو ان شعري بالكامل اصبح لزجا بدمي... اقتربت من جسده الهامد على الارض لأقيده بالاصفاد فدار وابتعد. كان لا يزال واعيا وتأكدت من ذلك حينما لكمني في ساقي.
نظرت الى الدم الذي غرّق ساقه اليمنى، على ما اعتقد... الطلقة لم تصب وريد هام. لكن المزعج هو ذاك البلل الذي يزعجني في خصري الايمن. منذ مدة اشعر به لكني لم ألتفت له، يدي بتلقائية ارتفعت نحو ذاك البلل. لا اشعر بشيء هنا...دفء غريب ينتشر... دم...
اللعين متى طعنني؟...
ازدردت ريقي بصعوبة، الهواء لم يعد يكفي رئتي بشكل جيد لكني ظللت واقفا. اخرجت هاتفي طلبت ارقاما، صوت احتكاك ثم شيء يسقط.. لكن ما ان التفت وعدت بنظري لنبيل حتى وجدته اختفى!. اتسعت عيناي ودُرت حولي، اين يمكن ان يكون ذهب؟.
هل لحظات تألمي ودواري ذاك جعلاني أسهى عن ما حولي؟!.
خطواتي اصبحت بطيئة وهذا ما اكتشفته مؤخرا!. حاولت تتبع خط دمه لكني مع كل خطوة اشعر بدواري يزداد وكذلك تشوش رؤيتي!. ادركت انني ان اكملت فسأسقط هنا حتما...
لذلك، لم اكمل تتبعي له، ببطء اتجهت نحو المكان الذي اصطففت به سيارتي من قبل. وما ان ركبت السيارة حتى فكرت للحظات ماذا عساي ان افعل وانا حالي هكذا؟. هل سأتمكن من القيادة ام انني سينتهي بي الامر ان اصطدم بحادث وينتهي بعدها كل شيء؟.
فكرت لوهلة بآسر...؟
ماذا سيفعل ان رآني أطل عيه بهذا المظهر المروع؟. لقد غادرت دون ان اخبره بل وايضا تجادلت معه ودخلنا بمشاداة عنيفة لم تحدث بيننا من قبل!. اسندت رأسي على الدريكسون ثم نظرت لهاتفي الملقى على الكرسي المجاور..
هل اتصل به لأرتاح من كل هذا ام ماذا؟. من المؤكد انه سيوبخني بلا شك، او ربما قد ينهار هو عليّ ونبقى نحن الاثنان بلا فائدة جنبا الى جنب. لكنه وبلا شك اعلم انه لن يتركني هكذا ان كان معي.. حتى وان وبخني فلن يدير لي ظهره وانا بحال كهذا!.
لوهله تخيلته يقول لي انني أخطأت، دون ادراك مني هززت رأسي واجبت على الفكرة قائلا :
"معاك حق، انا غلطان، انا عارف انه غلط اجي مكان زي دا لوحدي ومع ذلك جيت"
بدأ سواد طفيف يحوم حولي ليغمض جفناي. فجأة رفعت رأسي وكأنني استيقظت من غفوة. تسارعت انفاسي واضيقت حدقة عيناي. لمحت زجاجة ماء على المقعد المجاور ففتحتها وشربت منها القليل ثم الباقي سكبته على رأسي...
كانت الحرارة بدأت تأكل جسدي، لكني رغم الرجفة الخفيفة في يدي شغلت السيارة وضغطت البنزين جاعلا السرعة تكون بطيئة نسبيا وهادئة.
فاني ان بقيت هنا لدقيقة اخرى فحتما سافقد وعيي!.
●●●
قدت الى ان ظهرت لي صيدلية صغيرة على الأطراف. اصطففت سيارتي خلفها وخلعت سلاحي وخبأته تحت الدواسات و بعثرت عليه الاغراض كي يصعب لمحه ثم احكمت اغلاق السيارة والنافذة وخرجت...
الهواء كان بارد ورغم ذلك لم يخفف من الحرارة التي تأكل جسدي. الارض كانت رملية. بخطواتي البطيئة وصلت أخيرا الى الصيدلية. دفعت الباب الزجاجي بصعوبة فقد شعرت انه يحتاج قوة اكبر من طاقتي تلك لدفعه. ترنحت للحظة لكن سرعان ما تماسكت. نهض الصيدلي الاربعيني من على كرسيه تاركا هاتفه الذي كان يتابع عليه فيديو ما...
"بسم الله الرحمان الرحيم!"
تقدم نحوي بينما انا جلست على أقرب كرسي لي. تمتمت قائلا وقد باتت انفاسي سطحية :
"بسرعة، راسي..."
وبيدي اشرت له على خصري موضع الدم واردفت وكأنني ألهث :
"دم... شاش.. مطهر، مفيش وقت!"
اخذ الصيدلي يحوقل بينما بدأ بتحضير الادوات. كان واضحا عليه التوتر فيده كانت ترتجف، لا ألومه... فماذا شعور الشخص الجالس في امان الله يتابع الفيديوهات حينما يدخل عليه فجأة جثة متحركة مليئة بالدماء؟..
اقترب مني فوضع يده على جبيني ولكن سرعان ما ابعدها قائلا :
"بسم الله الرحمان الرحيم! يا ابني مينفعش سخونيتك دي، لازم مستشفى!"
فتحت عيناي قائلا : "لا مستشفى لا! اديني مسكن اي حاجة موجودة عندك"
قلتها بينما بدأت بيدي المرتجفه افك القميص عني وكأن أي شيء موضوع عليّ الآن لا شك انه يساهم في اشعال حرارتي!.
اتسعت عينه حينما لمح الطعنة.
"انت مطعون! انا لازم اكلم الشرطة! مين عمل كدا؟"
"متكلمش حد"
صمت للحظات لكنه لم يفكر كثيرا وبدأ عمله بيد ثابته رغم رجفتها السابقة!. بينما انا عدت اغمضت عيني مجددا، شعرت بلسعة المطهر فعضت على شفتي وانكمشت ملامحي.
"معلش استحمل، الطعنة دي تقريبا خمسة او ستة سنتيمتر"
لف الشاش حول خصري، ثم سأل :
"انت مين يا بني ومين اللى عمل كدا فيك؟"
سمعت السؤال، لكني لم أجب وظللت مغمضا عيناي. زفر الصيدلي ثم امسك يدي قائلا :
"ايدك برضوا مجروحه والجرح مش بسيط ممكن يتلوث"
ثم عاد واكمل عمله، اعتدلت في جلستي وانزلت رأسي ليعمل على الجرح الذي في الخلف. بدأ بالتطهير وقال :
"جرح راسك دا لازم مستشفى ما ينفعش يتم تجاهله، الإصابة في مكان حساس"
لم اجب، وبعدما انهى لف الشاش واعطاني حقنة المسكن وخافض الحرارة. حينها بدأت اشعر براحة نسبية وهدوء بسيط حل مكان الالم النابض مكان الطعنة. عدت لتعديل هندام ملابسي بينما الصيدلي كان يعيد ترتيب ادواته قال : "اثر الادوية هيمشي بعد ساعتين تلاته، وقتها هترجع تحس بالالم تاني، نصيحة مني انك تروح المستشفى هيكون احسن"
"شكرا"
اجبتها اجابة قاطعة ثم دفعت لله المال وغادرت. عدت للسيارة وفتحت صندوقها الخلفي. هناك كان تيشيرت ابيض نظيف اضعه احتياطيا. خلعت القميص الذي لوثته الدماء وارتديت النظيف بعدها عدت واخرجت سلاحي وثبته مكانه في خصري، مسحت على سروالي حينما وجدته قد تلوث هو الاخر بالتراب. وما ان تأكدت ان مظهري عاد جيدا ركبت السيارة وحاولت اخذ نفس عميق فشعرت بالراحة بفعل المسكن. تأكدت من كل شيء ثم قررت العودة، وكل ما استحوذ عقلي شيء واحد... هو وجه اسر حينما يراني هكذا..