كان المكتب خاليا، كل مرة أنظر بها الى مقعد براء الفارغ فأتذكر الاوقات التي قضيناها معا هنا. كان السكون يلف الغرفة، وعقارب الساعة السوداء تُصدر تكتكات متقطعة.
صوت خبط على الباب، دخل العريف محمود معه صينية والمشروب الذي كنت قد طلبته.
"الشاي اهو يا باشا"
"شكرا"
أستقر كوب الشاي على مكتبي.. سرحت للحظات في البخار الساخن والمتصاعد..
مر يوم على اصابة براء تلك.. والليلة سنذهب للقبض على رضا، لكن لن يحدث هذا إلا بعدما أنتهي من كومة الاوراق التي تنتظرني على مكتبي. تثائبت مجددا ليذكرني جسدي أنني لم أنم منذ يومين، لكنني كالعادة تجاهلت بأن مسحت تلك الدمعة التي تشكلت على زاوية عيني.
لمحت هاتفي مستقر أمامي.. فتحته للحظات مقررا أخذ القليل من البريك. الكثير والكثير من الرسائل كالعادة رسالة من ابي، امي، وبعض رسائل الشغل التي لا تنتهي.
امي :
"عامل ايه يا حبيبي؟ بلاش تهلك نفسك لو تعبت ارجع وابوك محتاجك"
ابي :
"آسر، لما تفضى تعالى"
●●●
زفرت بضيق مغلقا الهاتف مجددا... في ذات الوقت صوت طرق على الباب تبعه دخول احد الضباط..
"باشا تقرير الطب الشرعي والأدلة وصل"
"حطهم يا محسن"
اقترب محسن واضعا التقارير أمامي ثم أدى التحية وأومأت له وغادر.
التقرير يؤكد ان الضحية عادل وحيد توفي وقبلها لم يأكل منذ فترة تقارب نصف يوم.
هذا يعني ان القاتل يريد ضحاياه جوعانين. تماما كما حدث لعاطف. وان أكدنا ان رضا هو القاتل اذا لا شك انه فعل ذلك انتقاما لابنته نرمين التي ماتت في ذاك المنزل من الجوع والعطش.
صمتت للحظات محدقا بالحائط ثم همست متذكرا حديث الدكتورة نيفين عن الدقة :
"تفصيلة مهمة.."
أما عن تقرير الأدلة فآخر من تحدث معه عادل كان زميله عاطف.. هل هذا يعني ان عاطف كان على قيد الحياة يومها؟.
بالإضافة أنهم وجدوا أثر دم بسيط في المكان الذي فُكت منه مسامير الشاشة. وبعد تحليله أُكد أنه لرضا..
ارتسمت على شفتي ابتسامة خافتة وقلت : "دليل كافي انه يوقعه."
أعدت رأسي الى الخلف مفكرا ومحاولا رسم السيناريو مرة أخرى..
"رضا بنته نرمين اختفت لمدة يوم كامل. ونهاية اليوم بلغ الشرطة واكرم مسك القضية. بعدها باسبوع من الاختفاء يكتشفوا ان البنت ماتت من يومين بعد ما تعرضت للضرب والجوع والعطش."
أخذت رشفة من الشاي مكملا :
"وجثتها كانت بشقة مهجورة نسبيا ومتربطة ولوحدها. أعتقد ان المجرم هو اللي تركها هناك."
بعدها، خططت على الورقة أمامي بالقلم وكما لو أنني أحاول لا إراديا تسهيل فك الشفرات تلك.
"بعدها يموت عادل في المول. وعادل زميل نرمين هو وعاطف كانوا معاها قبل ما تختفي، هم التلاته اصحاب في نفس الجامعة. عادل مات لما وقعت عليه الشاشة ورضا هو اللي فكها متعمد..."
نهضت من كرسيّ وتحركت بضع خطوات ذهابا وإيابا وفكرت :
" ليه؟
انتقام؟."
تذكرت الكدمات في وجه عاطف...
"كمان عاطف اتقتل بطريقة تشبه طريقة موت نرمين، اتضرب وكان جعان ومتربط."
تأملت الصور المعلقة أمامي على السبورة فزفرت..
"مفيش شك ان اللي قتل عادل وعاطف كان بينتقم...
بس مين قتل نرمين؟
وليه بنفرض ان رضا هو اللي قتل عاطف؟
وليه عاطف اتقتل؟
وايه الغاية الحقيقية من قتل عادل؟
السبب مش كافي ومش واضح لحد دلوقتي، وكأن حد متعمد يظهر الأدلة واضحة أكتر من اللازم!."