دخلنا الى غرفة مخصصة لاستراحة العاملين بالمول. كانت غرفة صغيرة لا يوجد بها لكثير من الأثاث. جلس اسر على كرسي خشبي، وضع ساق على اخرى ثم اخرج دفتره وقلمه استعدادا لبدء الاستجواب. أتى علي ومعه الاول. كان شابا طويل ونحيف. يرتدي قميص ابيض وسروال جينز وقبعة سوداء. حدقتا عينيه كانتا ضيقتين. وجبينه كانت نديّة من التعرق. وعروق رقبته بارزة ورجفة خفيفة بيده.
غادر علي وجلس الشاب امام اسر على كرسي صغير بعدما امره اسر بذلك.
لم يهتم اسر بالخوف الظاهر على ملامح الشاب وقال بجفاف :
"اسمك؟"
تلعثم الشاب للحظة : "ياسر حمدي"
سجل اسر ثم اردف : "عرفنا انك عامل الصيانة اللي ركب الشاشة قبل كم يوم"
إزدرد الشاب ريقه قائلا : "ايوه يا بيه"
"كنت فين الساعة واحدة لواحدة ونص النهاردة؟"
"كنت في الكافيه تحت يا بيه"
"حد شافك؟"
اجاب ياسر بسرعة : "ممكن تشوفوا الكاميرات"
"تعرف الضحية؟"
"لا اول مرة اشوفه"
التفت اسر إلي فأومأت له، رأى ياسر هذه الاشارة فأجاب بسرعه وهو يكاد على حافة البكاء :
"والله يا باشا ما عملت حاجة احلفلك بالله ورب الكعبة والمصحف و....."
قاطعته متأفأفا، فانا لم تنطبق علي هذه المسرحية وقلت محدقا به :
"طب والصواميل اللي معاك دي… جتلك هدية؟ ولا وقعت من السما؟"
صمت ياسر مبتلعا لسانه. لم يجد بما سيجيب. مرت دقيقة صمت كان اسر يسجل في دفتره بينما قال ياسر مجددا بصوت منخفض اشبه بالاستسلام :
"والله يا باشا معملتش حاجة، والله معرفش ايه اللي فكهم وانا متأكد انه كله كان تمام"
أزحت نظري عنه مشمئزا من كثرة حلفانه. بينما زفر اسر بضيق وقال :
"استاذ ياسر، امبارح الساعة اتنين ونص كنت فين؟"
اجاب بسرعة : "كنت في بيتي نايم"
تنهدت متذكرا ذاك الوقت بالتحديد. هو نفسه الوقت الي دخل به ذاك الغريب المول والذي فك به صواميل ومسامير الشاشة.
زفر ياسر ثم خفض صوته وقال :
"أنا لما خلصت الشغل، كنت ماشي… بس حسيت إن في حد واقف بعيد بيراقب"
اتسعت عيني وقلت مسرعا : "مين؟"
"مشوفتش وشه… بس كان لابس كاب ومثبت عينه على الشاشة"
اغلق اسر دفتره وقد بدأت قدمه تهتز في عصبية وقال : "تمام استاذ ياسر الاستجواب انتهى تقدر تخرج وبعدين لو احتجناك ممكن ننده لك"
نهض ياسر فجأة وقال بينما لمعت عيناه من الدموع : "حضرتك شاكك فيا؟"
حسنا هذا عجيب! اظن انه لو لم يكن يخفي شيء لكانت ثقته بنفسه اكبر من هكذا!.
هز اسر رأسه نفيا وقال : "ما نقدرش نحدد شخص معين دلوقتي، الكل هنا مشتبه بهم"
●●●
غادر ياسر بعدها، الغرفة وهو بالكاد يحاول كبح نفس ومنعها من البكاء والانهيار. هدأت الغرفة فجلست امام اسر الذي كان يحاول تدليك صدغيه ببطء وقلت بتنهيدة : "وبعدين كداااه؟"
اجاب بصوت شبه هامس بينما كانت اصابعه تضغط على القلم بقوة : "ولا قبلين، هنكمل.."
مرت بعدها خمس دقائق حاولت تهدئة نفسي ببعض تمارين التنفس. صوت طرق على الباب ثم صرير الباب يفتح حينما دخل علي مجددا ومعه رجل اخر. كان أقصر مني ومن آسر. يضع نظارة على رأسه ويرتدي بدلة سوداء لامعة. غادر علي بإشارة رأس مني صافقا الباب خلفه. جلس الاربعيني أمامنا، كان شعره قد بدأ مرحلة الشيب في بعض خصلاته الأمامية، حليق الذقن وابتسامة بلهاء تظهر اسنانا ناصعة ترتسم على وجهه النحيف.
قال بابتسامة ترحيبية اكاد اشعر بقشعريرة اسر منها، فنحن هنا لسنا بجلسة تعارف! : "اهلا يا بشوات، مشرفين، خير؟"
فتح اسر دفتره وتكشرت ملامحه للحظة أدركت انها بسبب الصداع ثم قال : "حضرتك مدير المكان"
"بالظبط، الا لو مش ظاهر عليا"
رمقه آسر بحدة تلاشت لها ابتسامته وقال اسر : "اظنك عارف ان في جريمة حصلت في المول بتاعك"
"لا stop يا فندم، دي حادثة عرضية ولا يمكن ان تكون جريمة"
نظر اسر بعينه ثم قال بهدوء : "الأحسن لما أسألك ترد"
أومأ الاخر بصمت مثبتا نظره على آسر.
أردف آسر مجددا : "اسمك؟"
"احمد النجار يا باشا"
"تمام يا احمد، كنت فين النهاردة من واحدة لواحدة ونص؟"
"بمكتبي يا بيه"
"حد يثبت كدا؟"
"لا.... او... اقول.. ممكن العامل كنت طلبت منه وقتها كوبايتشاي"
مسح اسر عرقا خفيفا على جبينه بظهر يده ثم قال : "تمام... كنت فين امبارح الساعة اتنين؟"
"كنت ع القهوة، واحدة قريبة من بيتي"
"عارف الضحية؟"
"لا"
صمت اسر للحظات وكأنه ينتقي كلماته ثم قال بهدوء حذر :
"تعرف اللي عمله ياسر؟"
اتسعت عينا احمد وقال بانفعال : "لا يا باشا عمل ايه الكلب دا؟"
قلت بانزعاج : "هششششش ما تشتمش"
بدأت رجل اسر تعود تهتز بعصبية مكبوته تحت نار باردة.
فجأة قطع توتر المكان صوت طرقات خجولة على الباب. دخل علي وقال :
"اسر باشا"
اجاب اسر بحدة وتكشرت ملامحه مجددا : "عاوز ايه؟"
صمت علي للحظات ثم قال : "البيه مدحت عاوزك بحاجة"
نظر اسر له، ثم لي، هز رأسه ففهمت ثم نهض من كرسيية فجلست مكانه امام احمد بينما الاثنان غادرا المكان بخطوات هادئة.
امسكت دفتر اسر لأرى ما كتبه. الخط سريع وغير واضح وكلماته متآكلة. لكنني عشت معه منذ الطفولة ما يكفي حتى افهم شفرات هذه الطلاسم. اكملت استجوابي لأحمد وبين الحين والاخر ألقي نظري صوب ساعة الحائط. بعد عشر دقائق عاد آسر و وجهه مشتعل. اقترب نحوي ثم همس في اذني حتى قال ما اتسعت له عيني من الدهشة :
"اكتشفنا ان الكاميرات في حد عدل ع الفيديوهات. التعديل تم النهاردة الساعة واحد واربعين، تم قطع بعض المقاطع من الفيديو واتعرفنا اكتر على شكل الغريب. واضح انه سمين وشعره اقصر من اللي كان ظاهر بالفيديو و كان أجرى مكالمة"
همست له بينما دارت عيني نحو احمد الذي لاحظت رجفة خفيفة به : "اكيد حد محترف اللى عمل التغييرات دي"
"بالظبط دا اللي قاله مدحت"
اعتدل اسر في وقفته ثم رمق احمد بحدة جعلت جبين احمد تندي.
"استاذ احمد…
مين اللي لعب في الكاميرات؟"
"ك..كاميرات ايه..؟.. انا معرفش حا..حاجة!."
ابتسم اسر و وضع يداه في جيبيه ورمقه بنظرة وقال : "والله؟"
صمت احمد ولم يجب..
مِلت نحو احمد وقلت :
"عاوز يعني تقنعنا ان الفيديو اتقصقص لوحدو يا حمادة صح؟"
نكس احمد رأسه وقال : "والله مش انا"
اجاب اسر : "عاريفين انه مش انت، حد تاني. فانطق مين؟ وانجز"
"يا باشا كدا سمعة المكان.."
اجاب اسر بسخرية : "سمعة المكان؟.. صح نسيت اقول لك ان المكان هيتقفل اصلا!"
"لا يا باشا يعجبك تقطع رزق الغلابة اللي شغالين معايا؟"
انضممت للحديث مجددا وقلت بهدوء : "ولو مش عجبك هناخدك للقسم وتتحبس بتهمة التستر على مجرم"
ثم ابتسمت ابتسامة مستفزة في وجهه.
اتسعت عيناه، وتصلبت الكلمات في حنجرته. إزدرد ريقه عدة مرات وقال بصوت منخفض وكأنه يخشى ان يسمعه احد :
"والله يا باشا...."
دار نظره بيننا فأخرج اسر أصفاده و وضعها امامنا على الطاولة. عدت بنظري الى احمد فوجدت بصره زاغ للحظة من الرعب.
ساد الصمت للحظات..
ربّع احمد ذراعيه على الطاولة امامنا ودفن رأسه بينهما.
زفر ببطء ثم قال :
"يا باشا أنا أصلاً ماكنتش عاوز أعمل كدا… الموضوع كله اتفهم غلط"
ضيّق آسر عينيه وقال ببرود:
"اتكلم عدل"
ازدرد أحمد ريقه وقال بسرعة:
"أنا بس شفت الفيديو… لقيت واحد بيلعب في الشاشة، خفت يحصل مشاكل، خفت المول يتقفل… أنا حاولت أتصرف"
"اتصرفت إزاي؟"
صمت أحمد، عينه تهرب يمينا ويسارا، صوته بدأ يضعف:
"يعني… كلمت حد يساعدني في الموضوع… مجرد تعديل بسيط… يمشي الدنيا"
فجأة ضرب آسر الطاولة بيده:
"مين؟!"
انتفض أحمد وقال بسرعة:
"والله ما لي دعوة يا باشا! هو اللي قال يقدر يعملها!"
"هو مين؟"
صمت… ثانية… اثنتين…
ثم قال بصوت مكسور:
"زياد…"
قلت بصوت منخفض : "وليه عملت كدا؟"
مسح انفه بمنديل قديم كان بجيبه ثم قال : "عشان السمعة و.."
صمت فأردف آسر بحدة :
"و... ايه؟"
"وكمان مكنتش عاوز المدير يشوفني مقصر"
اتسعت عيني مستغربا مما قال، كررت : "المدير؟"
أومأ احمد مؤكدا ثم قال : "في الحقيقة يا باشا انا مدير مناوب، المدير الحقيقي في سفرية برا مصر، وصاني اهتم بشركته كويس"
زفرت بضيق بينما سجل اسر في دفتره. مرت دقائق ثم رفع اسر رأسه وفرك بين عينيه وقال :
"كفاية لحد كدا"
●●●
خرجنا من الغرفة، والهدوء كان ثقيل لكن بشكل غريب. نظر آسر حوله للحظة، ثم قال بهدوء:
"في حاجة مش مظبوطة…"
هذه المرة … أنا أيضا شعرت بها.