تلاشى الضوء القرمزي ببطء داخل الحجرة تحت الأرض أسفل موسكو، متراجعًا إلى داخل القبة الزجاجية كنبضٍ يحتضر.
عادت الأضواء البيضاء الباردة لتسيطر، مُلقيةً بظلالٍ حادة على الجدران الحجرية.
وقفت إيرينا فلاديميروفنا بلا حراك.
لم تدم الرؤية أكثر من ثانية، لكنها امتدت في ذهنها كأنها دهر.
مدنٌ تحترق. حكوماتٌ تنهار. حشودٌ راكعة في ساحاتٍ عامةٍ شاسعة تحت أعلامٍ غريبة.
ودائمًا - فوق كل شيء - موسكو.
استقرّ تنفسها مع انحسار الإحساس، متلاشيًا من أفكارها كشيءٍ حي. خفت بريق الكرة على القاعدة، وعاد توهجها ناعمًا وإيقاعيًا، كقلبٍ يعود إلى سباته.
خلفها، كان الجنرال أليكسي سميرنوف يراقب في صمت.
همس قائلًا: "مثير للاهتمام".
استدارت إيرينا قليلًا، وصوتها هادئ. "ما الأمر؟"
لم يُجب سميرنوف على الفور. طاف حول القاعدة ببطء، وصدى خطواته يتردد خافتًا على الأرضية الحجرية. تنقلت نظراته بين الكرة الزجاجية الحمراء وإيرينا، يدرس كليهما باهتمام متساوٍ.
قال: "أول العلماء الذين أحضرناهم إلى هنا وصفوا شيئًا مشابهًا".
"أي نوع من العلماء؟"
"أطباء أعصاب. فيزيائيون. علماء آثار".
ضاقت عينا إيرينا. "وماذا في ذلك؟"
"أُغمي عليهم".
نظرت إلى الكرة مجددًا.
"لم أُغمى عليّ".
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي سميرنوف.
قال: "لا". "لم تُغمى عليكِ من شدة اليأس."
توقف خلفها، ويداه متشابكتان خلف ظهره.
"أخبريني بالضبط ما رأيتِ."
ترددت إيرينا.
حثها تدريبها على الصمت - المراقبة أولًا، ثم الكلام لاحقًا. لكن الانضباط كان أعمق من الغريزة.
"مدن،" قالت أخيرًا.
"أي مدن؟"
"لا أعرف. بعضها بدا أوروبيًا."
صمتت قليلًا.
"كان هناك جنود. دبابات."
انخفض صوتها قليلًا. "وأناس... يتوسلون."
اشتدت ملامح سميرنوف.
"لمن؟"
هزت إيرينا رأسها. "لم أستطع الرؤية."
أومأ برأسه ببطء، كما لو كان يؤكد نظرية لم ينطق بها بعد.
"مذهل."
نبضت الكرة مرة أخرى.
هذه المرة، شعرت إيرينا بالأمر بوضوح أكبر - ضغط خفيف يلامس أفكارها، كهمسةٍ خافتةٍ بالكاد تُفهم.
تراجعت خطوةً إلى الوراء لا إراديًا.
"ما هذا الشيء؟"
التفت سميرنوف نحو الكرة، بنبرة هادئة، تكاد تكون وقورة.
"هذا... هو سبب تدريبك."
قبل عشرين عامًا كانت العواصف الثلجية تعصف خارج محيط منشأة تدريب نائية في أعماق الغابات شمال سانت بطرسبرغ. كان الثلج يتساقط بغزارة على الجدران المُدعمة، لكن في الداخل، كان الجو مشحونًا بالانضباط.
عشرات الأطفال يتدربون تحت أضواء بيضاء ساطعة، كانوا يجتازون مسارات العوائق حتى الانهيار.
يمارسون القتال حتى تحل الغريزة محل التفكير. يحفظون اللغات والرموز والأكاذيب.
بينهم وقفت فتاة صغيرة ذات شعر داكن وعينين ثابتتين بشكلٍ مثير للقلق.
إيرينا فلاديميروفنا. سبع سنوات.
لاحظها المدربون على الفور، لم تبكِ عندما سقطت. لم تعترض عند معاقبتها.
لم تسعَ إلى استحسانها. كانت تراقب. دائمًا تراقب.
في إحدى الظهيرات، وقف الأطفال في صفوف منتظمة داخل قاعة تدريب باردة يتردد صداها.
مرّ بهم رجل طويلة القامة ببطء.
العقيد فاليريا موروزوف، أسطورة في عالم المخابرات الروسية.
كانت سمعته بسيطة:
"إذا درّبتك موروزوفا، فستنجو. إذا خيبت أملها، فستختفي."
توقف أمام إيرينا "أنتِ."
تقدمت إيرينا دون تردد.
"ما هي عاصمة ألمانيا؟"
"برلين."
"ما هي اللغة الرسمية في البرازيل؟"
"البرتغالية."
"ما هي أقوى ثلاث وكالات استخبارات في العالم؟"
"وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وجهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)،
وجهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB)."
درسها موروزوف عن كثب.
"كم عمركِ؟"
"سبع سنوات."
ارتسمت على وجه العقيد لمحة من الدهشة.
"هل تعلمين سبب وجودكِ هنا؟"
"نعم."
"لماذا؟"
"لخدمة روسيا."
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه.
تحرك الأطفال الآخرون من حولهم بقلق. أما إيرينا، فكانت هادئة.
في تلك اللحظة، أدرك المدربون، انها كانت مختلفة.
مرت السنوات، اشتد التدريب.
في العاشرة، أتقنت القتال اليدوي وفي الثانية عشرة، أتقنت التشفير المتقدم.
في الرابعة عشرة، أتقنت خمس لغات بطلاقة وفي السادسة عشرة، خاضت أول محاكاة لاغتيال
بنجاح باهر.
توقفت معاملتها كطفلة قبل أن تبلغ سن الرشد بفترة طويلة.
في إحدى أمسيات الشتاء، وقفت موروزوفا خلف نافذة مراقبة تُطل على ساحة التدريب.
في الأسفل، كان متدربان مراهقان يتقاتلان بسكاكين خشبية، وكانت إيرينا إحداهما.
كان خصمها أكبر حجمًا وأقوى وأبطأ.
في غضون ثوانٍ، نزعت سلاحه، ولوت ذراعه، وأسقطته أرضًا. بكل هدوء. بكفاءة. بحسم.
أومأ موروزوف برأسه مرة واحدة.
قال مدرب أصغر سنًا: "إنها استثنائية".
"أجل".
"هل ننقلها إلى التدريب الميداني المتقدم؟"
"قريبًا".
تردد المدرب.
"هناك أمر آخر".
نظر إليه موروزوف. "تكلم".
"التقرير الجيني ..هي.."
أخذت الجهاز اللوحي وقرأ.
لم يتغير تعبير وجهه، لكن نظرته اشتدت.
"ما مدى دقة ذلك؟"
"ثمانية وتسعون بالمئة."
صمتٌ قصير.
ثم...
"هذا يكفي."
نظر إلى أسفل.
ساعدت إيرينا خصمها على الوقوف قبل أن تغادر دون احتفال.
لا كبرياء. لا تردد. فقط انضباط.
"هل تعتقدين أنها هي؟" سأل المدرب بهدوء.
كان صوت موروزوف ثابتًا.
"سنكتشف ذلك."
حاضر
شعرت الغرفة تحت الأرض أسفل الكرملين ببرودة أشد.
حدقت إيرينا في الكرة.
"إذن، تدريبي بأكمله... أدى إلى هذا؟"
أومأ سميرنوف برأسه. "جزئيًا."
"منذ متى وأنتِ تعلمين؟"
"منذ تقييمكِ الأول."
استدارت فجأة. "كنت تخطط لهذا منذ أن كنت طفلة."
"نعم."
لا اعتذار. لا تردد. فقط يقين.
عقدت إيرينا ذراعيها. "ماذا سيحدث إن رفضت؟"
عادت ابتسامة خفيفة.
"لن ترفضي."
"كيف لك أن تكون متأكدًا إلى هذه الدرجة؟"
"لأنكِ مخلصة."
أشار نحو الكرة "ولأنها اختارتكِ بالفعل."
ازداد التوهج الأحمر وانتشر اهتزاز خفيف عبر أرضية الحجر.
نبضت الكرة - أقوى الآن. أسرع. حية.
"المسها،" قال سميرنوف.
ترددت إيرينا. حذرتها كل غرائزها من التراجع ولكن شيئًا أعمق جذبها إلى الأمام.
فضول. هدف. أو شيء أخطر بكثير. اقتربت أكثر.
ازداد الضوء سطوعًا.تزامن نبض قلبها مع إيقاع الكرة.
"هل تشعرين به؟" سأل سميرنوف.
"نعم."
"جيد."
مدّت يدها ببطء، في اللحظة التي لامست فيها أصابعها السطح.
انفجرت الغرفة بضوء قرمزي، تدفقت الصور على ذهنها.
معابد قديمة مدفونة تحت الجليد، ومدن مخفية تحت المحيطات.
هياكل تحدّت التاريخ ..ثم خريطة..العالم بأسره.
لكن كان هناك شيء آخر. حضور. يراقب. ينتظر.
عندما انطفأ الضوء أخيرًا، سقطت إيرينا على ركبة واحدة، أنفاسها متقطعة.
"ما... هذا؟"
اقترب سميرنوف خطوة، بصوت هادئ.
"هذا، أيتها العميلة فلاديميروفنا..."
صمت.
"...كان مجرد البداية."
بعيدًا، عبر المحيط في واشنطن العاصمة، بدأت أجهزة الإنذار تدق داخل منشأة استخباراتية شديدة الحراسة.
رصدت أنظمة الأقمار الصناعية ما يبدو مستحيلاً. تدفق مفاجئ للطاقة ينبعث من أعماق موسكو.
وكانت هذه الطاقة تتزايد.