Qaed

شارك على مواقع التواصل

بالكاد تسللت أشعة شمس الصباح عبر النوافذ الضيقة لمركز العمليات أسفل الكرملين. في الأعلى، كانت موسكو لا تزال ترزح تحت وطأة الشتاء القارس. في الأسفل، كان الجو مشحونًا بالتوتر.
صفوف من الشاشات تومض - بث مباشر من الأقمار الصناعية، ورسائل مشفرة، وتدفقات من المعلومات الاستخباراتية العالمية. كانت المعلومات تتدفق أسرع من سرعة التفكير.
في قلب كل هذا، وقفت إيرينا فلاديميروفنا.
لم يمضِ على لمسها للرمز الأخضر سوى أقل من اثنتي عشرة ساعة.
أعطاها الجنرال أليكسي سميرنوف جهازًا يشبه الساعة، يلتف الآن حول معصمها، وسطحه ينبض بضوء خافت برموز خضراء متغيرة. لكن التغيير الحقيقي لم يكن في الجهاز.
بل كان فيها هي. أفكارها أصبحت أكثر حدة. وأسرع. كأن شيئًا ما بداخلها قد استيقظ، ورفض العودة إلى سباته.
"مهمتكِ الأولى تبدأ الآن."
اخترق صوت سميرنوف الغرفة بوضوح.
عقدت إيرينا ذراعيها، تحدق به. "هل سترسلني إلى الميدان الآن؟"
"سيفهم العالم قريبًا ما حدث الليلة الماضية."
نقر على لوحة التحكم.
ظهرت خريطة لأوروبا. ثم تحركت - جنوبًا.
إسطنبول.
"هدفُكِ هنا."
ضاقت عينا إيرينا. "لماذا إسطنبول؟"
أضاءت شاشة أخرى. ظهر رجل - في منتصف الخمسينيات من عمره، بشعر فضي، وعينين ذكيتين.
"الدكتور محمد ترك،" قال سميرنوف.
"من هو؟"
"مهندس مدني. متخصص في المنشآت تحت الأرض. خريج جامعة موسكو الحكومية."
رفعت إيرينا حاجبها. "أنت تُرسل عميلة... بدلًا من مهندس؟"
قام سميرنوف بتكبير الصورة مرة أخرى.
انكشفت شبكة أنفاق تحت إسطنبول - شاسعة، معقدة، ومخفية.
انحنت إيرينا قليلاً إلى الأمام. لمعت في عينيها نظرة إدراك.
قالت بهدوء: "هذه الأنفاق... إنها جزء من منظومة صواريخ."
"أجل."
صمت.
"وماذا في ذلك؟"
انخفض صوت سميرنوف.
"يعتقد أنه اكتشف مكونًا نوويًا مرتبطًا بالرمز الأخضر."
شعرت إيرينا بقشعريرة باردة.
واحد آخر؟
سألت: "هل هو محق؟"
"لا نعلم."
"ما هو هدفي؟"
نظر إليها سميرنوف.
"استعادة الجهاز."
لم ترمش إيرينا. "وماذا عن المهندس؟"
صمت قصير.
"إذا لزم الأمر... التخلص منه."
لا رد فعل. لا تردد، ولكن شيئًا ما بداخلها تغير.
كانت هذه المهمة مختلفة.
لأن ما يكمن تحت موسكو... لم يعد خامدًا.
ناولها سميرنوف جهازًا لوحيًا رفيعًا مشفرًا. "كل ما تحتاجينه موجود هنا."
"متى أغادر؟"
"بعد ساعة."
بعد ثلاث ساعات، هبطت الطائرة عبر غيوم رمادية كثيفة فوق إسطنبول.
امتدت المدينة بلا نهاية، تربط بين القارات، حيث يتصادم الماضي والمستقبل عبر مياه البوسفور المظلمة.
تخترق المآذن الأفق بجانب الأبراج الزجاجية. تشق العبّارات مساراتها عبر المضيق. يعيش الملايين حياتهم في الأسفل غير مدركين.
داخل المقصورة، راجعت إيرينا الملف.الدكتور محمد ترك. 52 عامًا. خبير في أنظمة الأنفاق والبنية
التحتية تحت الأرض.
بحث حديث: هياكل غير عادية تحت إسطنبول.
الصورة المرفقة: التُقطت قبل 48 ساعة.
اقتربت إيرينا.
وقف محمد داخل نفق تم اكتشافه حديثًا. في يديه لوحٌ داكن. على سطحه دوامة.
الرمز نفسه. تسارع نبضها.
"إذن هو حقيقي،" همست. "وقد وجده أولًا."
هبطت الطائرة في صالة خاصة، وفي غضون دقائق، اختفت إيرينا في المدينة.
كانت ترتدي معطف أسود. نظارة شمسية. مجهولة الهوية.
تبدوا كسائحة ظاهريًا على الأقل و كانت تحمل تحت المعطف مسدس صغير.
كانت تحمل حقيبة معها داخلها، أجهزة مراقبة، أجهزة تشويش إشارات، طائرات مسيرة صغيرة.
نقلتها سيارة الأجرة عبر شوارع مكتظة تعج بالحركة حيث الباعة ينادون، وسيارات تتشابك، وأصوات
تمتزج في إيقاع حيوي.
تردد صدى الأذان في أرجاء المدينة، هادئة.
لم تكن مدن كهذه يومًا أرضًا محايدة، حيث العملاء الروس و استخبارات أمريكية و وكالات أوروبية.
كان الجميع يبحث عن شيء ما.
هتز هاتفها.
رسالة مشفرة: تم تأكيد الهدف.
الموقع: موقع بناء تحت الأرض.
دفعت إيرينا للسائق ونزلت.
تجمع العمال قرب مدخل النفق، غافلين عن الأسرار الكامنة تحت أقدامهم.
تحركت معهم، مندمجة بسلاسة في حركتهم.
في الداخل، تغير الجو.. أصبح أبرد وأثقل.
انعكس ضوء خافت من الماء على الحجر القديم. تردد صدى خطوات في الظلام.
كانت تمسحت عينا إيرينا كل شيء، كاميرات، ومخارج، وزوايا.
ثم رأته.
وقف الدكتور محمد ترك قرب باب صيانة محظور في الطرف الآخر.
بدا متوترًا ويتوقع شيئًا ما، أو شخصًا ما.
فتح الباب وتسلل إلى الداخل.
تبعته إيرينا.
في اللحظة التي أُغلق فيها الباب، اختفى العالم الخارجي.
صمت.
انحدر الممر إلى أسفل، متوغلاً في شيء أقدم من المدينة الحديثة أعلاه.
جدران حجرية. رطوبة. ضوء خافت.
تحركت إيرينا بحذر، فشعرت بحواسها مُرهفة، دقيقة بشكل غير طبيعي.
ثم سمعت أصوات.
أبطأت خطواتها، ملتصقة بالجدار، ونظرت من خلف الزاوية.
نفق صغير تحت الأرض وغرفة.
وقف محمد بجانب منصة حجرية.
واجهه رجلان، مسلحان، يرتديان معدات تكتيكية و معدات غربية.
ليسا من السكان المحليين.
قال أحدهما بالإنجليزية: "سلّمني الجهاز اللوحي".
هزّ محمد رأسه. "أنت لا تفهم ماهيته".
"نحن نفهم ما يكفي".
ضاقت عينا إيرينا "استخبارات أجنبية".
تقدّم الرجل الثاني. "أعطنا إياه".
تردّد محمد، ثمّ تحوّلت عيناه متجاوزًا إياهما، نحو إيرينا ورآها.
قبل أن تتمكّن من الردّ، صرخ "اهربي!"
دوّى إطلاق النار في الممر.
تحرّكت إيرينا على الفور وانحنت خلف عمود حجري بينما حطّمت الرصاصات الصخور القديمة.
"هدف!" صرخ أحد العملاء.
سحبت إيرينا سلاحها..تباطأ الزمن.
كانت الزوايا تُحسب في ذهنها بدقةٍ متناهية وتقدمت.
طلقتان..سقط العميل الأول.
أطلق الثاني النار عشوائيًا. تدحرجت إيرينا، واقتربت منه، وضربته فنزعت سلاحه بحركة واحدة.
طلقة أخيرة.
صمت.
حدق بها محمد وهو يلهث.
"أنتِ لستِ معهم."
"لا."
"إذن من أنتِ؟"
اقتربت إيرينا من المنصة.
استقر الجهاز اللوحي هناك وتوهجت الدوامة ناعمة، خضراء، نابضة بالحياة.
تمامًا مثل الشفرة الخضراء.
"أنا شخص يحتاج إلى هذا،" قالت.
تحرك محمد ليمنعها.
"أنتِ لا تفهمين ما يفعله."
"إذن اشرح."
ارتجف صوته.
"إنه ليس سلاحًا."
اشتد توتر عيني إيرينا. "إذن ما هو؟"
ابتلع محمد ريقه.
"إنه مفتاح."
صمت.
"مفتاح ماذا؟" سألت.
نبضت الدوامة.
للحظة وجيزة فشعرت إيرينا بذلك..ليس بعينيها، بل في أعماق عقلها.
بعيدًا، تحت موسكو استيقظ شيء ما.
في واشنطن العاصمة، رصدت الأقمار الصناعية ارتفاعًا مفاجئًا في طاقة مجهولة.
انتشرت الإشارات عبر الشبكات السرية وانطلقت الإنذارات في جميع أنحاء العالم.
وفي مكان ما في أعماق الأرض، كان النظام يُفعّل.
0 تصويتات

اترك تعليق

التعليقات

اكتب وانشر كتبك ورواياتك الأصلية الأن ، من هنا.