Qaed

شارك على مواقع التواصل

كان الثلج يتراكم بهدوء فوق شوارع موسكو الواسعة، لا كأنه طقسٌ عابر، بل كأنه غطاءٌ ثقيل يطلب الصمت. خفَت ضجيج العربات وتراجع وقع الأقدام تحت طبقةٍ بيضاء تمحو التفاصيل وتوحّد المشهد. ومع أن المدينة من الخارج بدت ساكنة، فإن ما كان يحدث تحت الأرض لم يكن ساكناً البتة.
في العمق، داخل أروقةٍ تاريخية وجدرانٍ شاهقة من معقل الكرملين، كانت حركةٌ خفيّة تشتعل داخل مركز قيادةٍ سري، واحد من أكثر الأماكن تحفّظاً وصرامة. شاشاتٌ مضيئة تومض كعيونٍ كثيرة، وخطوط بيانات تتدفّق دون توقف. وعلى الطاولات، تتراكم تقاريرٌ ومستندات، وفي الهواء رائحة قلقٍ لا يُرى لكن يُحَس.
كان الجنرال أليكسي سْميرنوف ينظر إلى آخر موجة تقارير بعينٍ لا تتغير. لم يكن يبتسم كثيراً، لكن في بعض اللحظات كانت ملامحه تترك مساحة صغيرة لانتصارٍ مكتوم. لقد تحققت الخطوة الأهم: الهدف أُمسِك.
دخل ضابطٌ شاب بسرعة، وكأن الوقت لا يملك رفاهية الوقوف على الأبواب.
قال وهو يتنفس بحذر:
"جنرال… بعثة إسطنبول انتهت."
رفع سميرنوف رأسه أخيراً، وبدون أن يغيّر صوته سأل:
"وماذا عن القطعة؟"
أجابه الضابط:
"تم تأمينها."
لمحة ابتسامة خفيفة لمحت على وجه الجنرال، ثم اختفت فوراً حين تذكّر أن الأشياء الجيدة في عالمهم لا تدوم طويلاً.
لكن الضابط لم ينتهِ.
"مع ذلك… حدث تداخل."
ساد صمت قصير. ذُقن الجنرال بنبرة أكثر حدة:
"أي تداخل؟"
رد الضابط، وكلماته أقرب إلى اعترافٍ خطير:
"عملاء أجانب. ويُرجّح أنهم… أمريكيون."
تحوّلت نظرة سميرنوف، لا إلى غضب، بل إلى حساب. فقد كان التنافس الخارجي يُرهِق، لكن الأهم، التنافس يعني أن خصماً يراقب، وأنهم لم يعودوا وحدهم في الصورة.
اقترب الجنرال من شاشةٍ كبيرة. ظهرت صور أقمار اصطناعية لإسطنبول القديمة، شوارعها التاريخية التي تحاول دائماً إخفاء أسرار جديدة تحت حجارتها العتيقة. ثم ظهرت بيانات الطيران الاستطلاعي، دروناتٌ ترصد تدفقاً “آمناً” من قناة استخبارات أمريكية، بعد الحادث مباشرةً.
قال سميرنوف ببطء:
"أكيد."
عندها، من طرف القاعة، تكلّم محلل آخر.
"جنرال… هناك طلب اتصال مباشر من العميلة فلاديميروفنا."
رفع الجنرال حاجبه.
"اتصال مباشر؟ هذا غير معتاد."
أومأ المحلل مؤكداً:
"نعم. وتأكيد بأن الاتصال عاجل."
قال سميرنوف:
"أدخلها."
على بعد آلاف الكيلومترات، كانت إيرينا فلاديميروفنا تقف في بيتٍ آمن بإضاءة خافتة، تطل نافذتها على البوسفور. الخارج كان يبدو كأنه مشهدٌ من حلم، أضواء إسطنبول تلمع على الماء كنجومٍ متناثرة، بينما الداخل مليء بالظلال، ظلّ الخوف، وظلّ الحذر، وظلّ ما لا يُقال.
على طاولةٍ صغيرة أمامها موضوعة جهاز لوحي الكتروني كانت نبث رمز لولبي يضيء ضوءاً باهتاً. ليس ضوءاً عادياً، بل ضوءٌ كأنه يحرّك ذاكرةً قديمة.
منذ أن لمسَت اللوح للمرة الأولى، بدأت صورٌ تتسلل إلى عقلها، لقطاتٌ مبهمة ومشاهد لا تملك تفسيراً منطقيًا.
أماكن لم تزُرها، أنفاق لا تعرف طريقها، وممرات تتكرر فيها كلمة واحدة..الثلج.
ثم جاءها صوت عبر جهاز لاسلكي مشفر.
"العميلة فلاديميروفنا…"
"الجنرال…"
"كيف كانت المهمة؟"
ترددت لحظة قبل أن تجيب، ثم قالت بنبرة ثابتة تحاول إخفاء اضطرابٍ داخلي
"تمت السيطرة على المنطقة."
سأل الجنرال:
"والمهندس محمد؟"
أجابت:
"هو حي."
لم يأتِ رد فوراً. كان الصمت كأنه سؤالٌ يضغط على صدرها.
قال الجنرال أخيراً:
"إذن لم تُحاولِ إنهاءه."
أجابت:
"لديه معلومات."
ثم سُمع اسمٌ في الهواء كأنه مفتاحٌ لأبوابٍ أكثر من مجرد باب
"لقد سمّاه ‘القِفْل’."
وهنا توقفت المكالمة للحظة، لكن ليس لأن الاتصال انقطع. بل لأن كل كلمة أصبحت أثقل.
سأل الجنرال بهدوء:
"قفل… إلى ماذا؟"
قالت إيرينا:
"لم يوضح."
تنفست قليلاً، ثم أضافت:
"لكن هناك شيئاً آخر… الكُرة الحمراء التي أعطيتني إياها تفاعلت عندما لمست اللوح."
قال الجنرال:
"كيف؟"
أجابت:
"بالطريقة نفسها التي تفاعل بها ‘الكود’ الأخضر."
على خط الاتصال، تغيرت ملامح سميرنوف، هذه المرة نحو تصميمٍ أكبر.
"هذا يؤكد فرضيتنا."
قالت إيرينا:
"وأي فرضية؟"
قال الجنرال:
"أن هذه الأنظمة ليست منفصلة. إنها مترابطة."
ثم تابع بسرعة:
"كم عددها؟"
أجابت إيرينا بصراحة لا تليق بالحقيقة لكنها ضرورية لها:
"لا نعرف بعد."
قال الجنرال:
"إذن علينا أن نجد الباقي."
وبدا على وجهه ما يشبه ابتسامة خفيفة، ابتسامة رجل يعتقد أن الوقت يعمل لصالحه.
قال:
"وهذا ما ستفعليه."
واشنطن.
في الوقت نفسه، وفي منشأة استخباراتية أمريكية فائقة السرية تحت واشنطن، كانت أجهزة الأمن تضيء شاشاتها باللون الأحمر. مؤشرات طاقة ترتفع في مواقع متباعدة، لكنها لا تتباعد فعلياً.
عرضٌ واحد يجمع بين موسكو وإسطنبول، موجتان متزامنتان، وتوقيتهما غير عشوائي.
دخل رجل طويل القامة إلى القاعة. كان اسمه جون ريتشارد، ضابطاً ذا رتبة عالية، وأعينه لا تُظهر عادةً الدهشة.
قال بصرامة:
"أخبروني ماذا نرى."
أجابه أحد المحللين:
"ارتفاع غير طبيعي للطاقة تحت موسكو أمس. المصدر غير معروف."
ثم أضاف آخر:
"الموجة الثانية ظهرت من إسطنبول قبل ثلاث ساعات."
قال ريتشارد:
"صدفة؟"
رد أحدهم:
"مستبعدة."
ثم أُحضرت لقطات مراقبة من ممرات تحت الأرض. صورة ضبابية ظهرت على الشاشة، امرأة تخرج
من المكان بعد إطلاق النار مباشرة. مع تحسينات بسيطة، أصبحت ملامحها أوضح.
قال ريتشارد:
"فعّل التعرّف على الوجه."
ظهرت النتيجة سريعاً، كأن النظام كان ينتظر أن يُقال الاسم:
إيرينا فلاديميروفنا.
الانتماء: الاستخبارات الروسية.
مستوى التهديد: سري.
تنهد ريتشارد ببطء، ثم قال:
"إذن… موسكو متورطة."
وفي اللحظة التالية، تحرك الفريق على الفور. ليس لإيقاف حدثٍ وقع، بل لإيقاف شيء لم يبدأ بعد.
قال ريتشارد:
"تابعوا تحركاتها. نحن بحاجة لإيقاف ما يحدث قبل أن يتوسع."
في إسطنبول، كانت إيرينا وحدها على شرفة البيت الآمن. اللوح الالكتروني كان على الطاولة، والرمز اللولبي يرفُض الهدوء. فجأةً اندفعت في ذهنها رؤية جديدة.. صحراء من ثلج، سهول لا تنتهي، تحت سماء داكنة. وفي عمق المشهد، نظام صاروخي مدفون تحت الجليد. ثم ظهرت “برج أسود” ترتفع من قلب البياض، كأنه ينبت من فكرةٍ شريرة.
لكن الرؤية لم تكتفِ بالصور. كانت تخُطّ أسماء في حجر متجمّد.
اسمٌ واحد: سيبيريا.
ثم اختفت الرؤية كما بدأت، بسرعة مخيفة.
تراجعت إيرينا قليلاً، وألقت نظرها إلى اللوح ثم إلى الماء المتجمد خارج النافذة. وفهمت أن القاعدة العسكرية
لم تكن صدفة. كانت جزءاً من شبكة.
مفاتيح تتوزع حول العالم… والقطعة القادمة مخبأة في مكان عميق، بعيد، وتحت الثلج أيضاً.. سيبيريا.
وبينما كانت إيرينا تنفُض ارتجافة البرد من جسدها، كان الثلج يستمر في السقوط على موسكو.
داخل غرفةٍ تحت الأرض، وقف سميرنوف وحيداً أمام شاشة خضراء تزداد سطوعاً.
همس لنفسه ببرود:
"بدأت اللعبة."
0 تصويتات

اترك تعليق

التعليقات

اكتب وانشر كتبك ورواياتك الأصلية الأن ، من هنا.