أتى صوته من آخر الطرقة، غليظ ومستفز في ذات الوقت. كان يتحدث مع احد بالخارج. اقترب صوته نحو الباب، فإزدردت ريقي، فلست في مزاج يسمح لي ان اتحمل بلاطة أكرم. نظرت نحو آسر، له نصف ساعة ساند رأسه على الطاولة. فتح الباب دون طرق، انتفضت مكاني صائحا به :
"انت ايه ياخي؟ مفيش ادب دخول؟"
تفل أكرم بزر بطيخة كان عالقا بين أسنانه ثم قال : "هو انا محتاج تصريح عشان ادخل ع صحابي؟"
اجبت بحدة : "اه"
زفر اكرم واجاب مهذبا شاربه الكثيف :
"مش بخبط ع صحابي اللي عارف كل فتفوته بيهم يا بيبو"
توجه نظره نحو اسر الذي لا يزال دافنا رأسه بين ذراعيه على الطاولة. ابتسم ابتسامة تفوح منها رائحة الخبث ثم ركل الطاولة وقال :
"وبعدين مالك يا سوسي واقع كدا ليه؟"
رفع اسر وجهه وتكشرت ملامحه متأفأفا. فرك عينه ثم قال بضجر :
"يا عم عاوز ايه بقى؟ وبعدين ايه الاسم ال*** اللي بتناديني بيه دا؟"
رفع اكرم حاجبه وقال بتمثيل فاشل : "الله؟ يعني لا عاجبك مستر آسر ولا سوسي؟"
"يا عم ان شاء الله تيجي لك سوسة في مخك"
انفجر اكرم ضاحكا. تأفف كلانا في اشارة واضحة اننا لا نطيق وقوف ذاك الكائن اللزج امامنا. بعدما انهى ضحكه ومسح دموع التماسيح التي سلكت طريقها على وجنتيه قرر ان يحترم نفسه قليلا بعدما ادرك ان تصرفاته اصبحت تافهة لا تؤثر بنا.
"احم، طيب يا جماعة خلونا نتجاهل خفة دمكو دي عشان جاي اكلمكم بموضوع يهد البشرية"
لم يتحدث كلانا فاكمل اكرم :
"الله؟ انتو مش مهتمين ليه؟ دا حتى كلام هيفدكوا بشغلكم!"
أردف دون ان يعطينا مساحة للاجابة : "طيب خلاص انا ماشي"
ثم إلتفت نحو الباب ليخرج فقاطعه اسر وقال :
"استنى.."
التفت برأسه نحونا وقال : "ها سوسة بيهتم؟"
اجاب اسر بحدة وهدوء : "اكرم بطل سخافة واتفضل قول اللي عندك"
ابتسم ابتسامة عريضة تكاد تصل لكلا اذنيه ثم عاد مسرعا اخذ كرسي وازاحه ليجلس بجواري فامتعض وجههي وقلت :
"عارف اقسم بالله لو طلع كلامك مش هيفدنا؟!"
قال بتمثيل : " يا مامي الرائد بيبو هيعملني شاورما!"
اجبت : "وهرميك للكلاب"
زفرت بعدها، فبدأ اكرم حديثه وقال : "هقول لكم وهتساعدوني اوكيه؟"
"انجز"
"بص يا فالح منك له، الاسبوع اللي قبل اللي فات كنت طلبت منكم تساعدوني في قضية شغال عليها فاكرين؟"
"لا"
"طيب، المهم انكم يعني ركبتوا النذالة كعادتكم ورفضتم. البنت كانت مختفية اسبوع كامل، ابوها جه عمل بلاغ من اول يوم ولما بدأنا الشغل نكتشف انها ماتت من يومين. و بعدها بيومين مات صاحبها عادل وحيد"
انتفضت مكاني قائلا : "انت بتقول ايه؟"
"والله زي ما بقولك يا بيبو. البت نرمين والواد عادل هم الاتنين زملا في كلية تجارة، عندهم صاحبهم تالت اسمه عاطف كمان."
"وبعدها؟"
"البت كانت مختفية اسبوع، بس بعدها نكتشف انها موجدة في شقة شبه مجهورة كجثة!."
"كمل"
"المهم بعدها الطب الشرعي حدد انها تم الاعتداء عليها قبل موتها وانها ماتت من الجوع والعطش ونقص اكسجين"
اجاب اسر : "قصدك ان البت ماتت بس اكتشفت جثتها بعدها بيومين"
أومأ اكرم مؤكدا :"صح يا سوسة"
رمقه اسر شزرا فاكمل اكرم :
"والدها رضا الدكروري شغال في مول شاميلا وهو اللي جه بلغ على اختفائها."
اتسعت عيني فنظرت لاسر فوجدت ذات علامات الدهشة على وجهه.
اردف اسر بحذر وصوت منخفض : "قصدك ايه يا اكرم؟"
ابتسم اكرم ابتسامة صفراء وقال : "اللي جه في بالك يا اسر"
أخذت رشفة سريعة من كوبي ثم قلت : "قصدك ان ليه علاقة بالقضية اللي احنا شغالين عليها؟"
اجاب مدعيا عدم المعرفة : "ربما؟"
اجاب اسر : "كلام كبير، طب ايه علاقة عادل ومين عاطف دا؟"
وضع اكرم رجل على الاخرى وربع ذراعيه وقال : "والله يا اسر، الواد متعرفلهوش راس من رجل، هو وعاطف قبل مدة من اختفاء البت نرمين هم اللي كانو معاها"
صفعت الطاولة وقلت : "باااااااااس هو عادل اللي عمل العملة واللي خطف نرمين"
اجاب اسر : "خطأ، فين الدافع من كدا؟ وبعدين واضح ان في حد تالت ع الخط"
ثم وجّه اسر كلامه لاكرم قائلا : "طب وعاطف؟"
اجاب اكرم قائلا : "صراحة الواد ملهوش دليل يدينه وفي نفس الوقت مفيش دليل يثبت براءته."
ساد الصمت للحظات ثم فجأة اقترح اكرم :
"ما تيجوا تشوفوا الدنيا على ارض الواقع؟"
●●●
لم اكن ان اصدق اننا سنتبع كلام اكرم او اننا سنصدقه من الاساس!. ولكن على الرأي المشهور (ما هي كدا كدا بايظة)
اكملنا المسير في تلك القصة العجيبة التي ظهرت لنا من باطن الارض. قادنا اكرم بالسيارة نحو سكن الطلبة الذي يعيش به عادل وعاطف. بينما اسر كان في الخلف كان يرمق اكرم بتكشيرة واضحة بين الحين والاخر. فجأة ضغط اكرم على الفرامل مصطفا امام بناية سكنية شاهقة وصاح بصوته المزعج :
"فوقوا!"
نزلنا بعدها ثلاثتنا متجهين نحو العمارة. بينما توقف اكرم قليلا ليدخن سيجارة. عزمني على واحدة فرفضت فانا لا احب اخذ شيء منه، بينما اسر ممنوع من الاساس من التخدين بسبب عمليته الاخيرة. ترجلنا صاعدين السلالم، بينما اكرم كان يكمل بقية ثرثرته مما اشعرني اننا سنطيل في هذه الجزئية.
وكأنه يسلينا بثرثرته تلك ليثما نصعد!.
"المهم يا حلوين ان الواد عادل دا كان من ساعة ما استجوبته على اختفاء نرمين وعرف بالقصة الواد انهار وجاله رعاش"
قال اخر جملته بسخرية. لم اكن منتبها كثيرا لما يقوله. كانت هناك فكرة اخرى استحوذت بالفعل على عقلي، فحتى الان انا لا زلت انتظر الرسالة على هاتفي ولم تصل بعد!.
وصلنا الي باب الشقة فقرع اكرم الجرس. ثوان مرت ولا اجابة.
احتدت نظرة اسر بتركيز بينما انا ظللت مترقبا لأي شيء. وتمر ثوان اخرى ولا شيء!.
زفر اكرم وعاد الضغط قائلا : "غريبة بقاااااا"
وضع اسر يده على كتفه وقال :
"خلاص اكرم هو مش هيفتح"
توتر اكرم وقال : "تقصد ايه يا اسر؟!"
"يعني اكيد في مصيبة حاصلة له او مش موجود او حاجة منعاه يفتح!"
ازدرد اكرم ريقه قائلا : "لا يا جدع الواد حيٌ يرزق"
لاحظت الشد والجذب في الحديث، زفرت وقلت بينما سدت ركلة للباب :
"هتفضلوا كدا مش هنخلص!"
سقط الباب ارضا مخلوعا.
دهش اكرم قائلا : "براحة يا براء ع الباب"
تمتمت بينما دخلنا الشقة نرمق كل زاوية بها : "ارحمنا من تعليقات امك يا شيخ"
في حوالي ٥ دقائق كنا فتشنا اغلب ارجاء المكان. غرفتين وحمام صغير بدون دش ومطبخ صغير بالكاد يكفي وقوف شخص واحد.
كتب واوراق واقلام كثيرة مبعثرة وملابس وعلب بيتزا فارغة. دخلنا اخر غرفة كان محكم اغلاقها من الخارج.
اول ما التقطته اعيننا هو ذاك الجسد الهامد المربوط والازرق اللون. شهق اكرم صائحا : "يا نهار ازرق!"
بينما ازدادت ضربات قلبي لوهلة فمن كان يتوقع رؤية جثة في ذاك الوقت؟. بينما اسر تراجع خطوة للخلف.
دون ان نقترب علمنا بوفاته حتما. بدأ اسر يحدق بارجاء الغرفة، كانت عادية، سرير ودولاب وطاولة صغيرة وكرسي صغيرة. صور عاطف معلقة بكل جدار فادركنا انها غرفته. بينما اكرم كان لا يزال متسمرا امام الجثة يحدق بها.
فجأة قطع الصمت قائلا :
"دي نفس الهيئة اللي شفنا نرمين عليها!"
التفتنا نحوه فاردف : "صدقوني نفسها. البت فضلت محبوسة ومتربطة وماتت بعد الضرب والجوع ونقص اكسجين"
عدت بنظري نحو جثة عاطف العشريني وقلت : "واضح انه مضروب، في كدمات في وشه و حاصل له اختناق"
اردف اسر : "لازم نجيب امن وفريق الادلة والطب الشرعي"
لفت انتباهي وجود صورة ببرواز على كومود كان بجوار سرير عاطف. ارتديت قفازي وامسكت الصورة.
كانت لعاطف مع عادل ومعهم فتاة اخرى بالمنتصف. شيء غريب في الصورة!. نظرة الفتاة وعادل متجه للكاميرا وكانا مبتسمان، بينما نظرة عاطف لم تكن نحو الكاميرا من الاساس!. كانت نحو الفتاة التي على ما اعتقد هي نرمين.
نظرته كانت مختلفة، ليست لأصدقاء. بل فيها شيء خفي أعمق!.
قطع افكاري صوت اكرم يقف خلفي وقال : "ايوااااااااه هي دي البت نرمين"
أومأت مؤيدا دون اجابة. نهض اسر من جوار الجثة وقال :
"خلاص احنا ماشيين يا اكرم، اتعامل انت مع مسرح الجريمة دا!"
انتبه اكرم لكلام اسر فقال : "ايه؟ لا! انا ساعدتكم فتساعدوني"
لم نلتفت له ثم غادرنا الشقة.
وصلنا الى الساحة الخارجية فقال اسر :
احنا كدا على ما اعتقد محتاجين نشوف رضا"
فركت وجهي قائلا : "صح هنرجع القسم"
اردف اسر : "حاسس ان وراه حاجة كبيرة"