انفرط عقد الخطوبة المسموم، ولكن بعد أن نهش محمود كل ما ملكته يدا والدها، حتى قصرهم في صيدا لم يسلم من جشعه؛ فقد استولى عليه بدمٍ بارد، تاركاً العائلة المشردة تلجأ إلى "شقةٍ متواضعة" وصغيرة في بيروت. لم تعد تلك الجدران المذهبة والحدائق الغناء هي ما يحيط بوتين، بل أصبحت محاصرة بضيق المكان وثقل الانكسار.
دخلت وتين تلك الشقة، ونظرت إلى جدرانها البسيطة التي تفوح منها رائحة الفقر القسري، وفي تلك اللحظة بالذات، انطفأ في قلبها آخر بصيصٍ للسكينة. لم تكن هذه الجدران الضيقة سجناً لوتين، بل تحولت إلى "غرفة عمليات" يشتعلُ فيها جحيم الانتقام. لم تعد وتين تلك الوردة التي تنحني للمطر، بل أصبحت الوردة التي تخفي خلف عطرها أشواكاً مسمومة.
وسط ذاك الضيق، وقفت وتين أمام والدها المنهار، وأقسمت بـ "صوتٍ رخيم" لكنه يحملُ حشرجة الرعد، قسماً هزّ أركان الشقة:
"أقسمُ بدمِ أمي الذي سُفك، وبحق هذا القصر الذي سُلِب منا، وبكل لحظة انكسار نعيشها في هذه الشقة.. أنني سأدمركم واحداً تلو الآخر. محمود، وسعاد، وعمي.. سأجعلكم تتوسلون الرحمة ولا تجدونها، وسأستردُ إرث والدي ولو كان في جوف الشيطان."
كان هذا القسم هو الإعلان الرسمي لميلاد "المنتقمة"؛ فمن هذه الشقة المتواضعة، ستبدأ وتين في حياكة خيوط اللعبة الكبرى، مستخدمةً ذكاءها وهدوءها القاتل لتستعيد حياةً ظن الجميع أنها أصبحت أثراً بعد عين.
عطرُ الوعودِ وظلُّ الفارس
كان التخطيط لبناء إمبراطورية "الملكة" يستهلكُ روح وتين وجسدها؛ أيامٌ من السهر، وشهورٌ من الصراع الصامت في عتمة الشقة، حتى بات الإرهاق يسري في عظامها كسمٍّ بطيء. وفي إحدى الأمسيات الباردة، وبينما كانت وتين تصعد درجات السلم المؤدي إلى شقتها، أحست بأن قواها تخونها تماماً. ثقلت قدماها، ودارت الدنيا في عينيها، وكادت أن تسقط في هاوية الدرج المظلم.
ولكن، قبل أن يلامس جسدها الأرض، شعرت بهواءٍ يتحركُ خلفها، وفجأةً.. أحاطت بخصرها يدٌ قوية، متينة كأغصان السنديان، جذبتها بحزمٍ وحنانٍ فائق إلى بر الأمان. وجدت وتين نفسها تستندُ إلى كتفٍ صلب، كتفٍ لم يكن مجرد سندٍ جسدي، بل كان "وطناً" دافئاً في عز الغربة.
في تلك الثواني القليلة التي توقف فيها الزمن، لم ينطق لسانها بحرف، لكن "قلبها" هو من بدأ يتحدثُ بلغةٍ لا يفهمها سوى العشاق الأوفياء. تسلل إلى أنفاسها عطرٌ مألوف، عطرٌ يفوح منه عبقُ الطفولة، وشمسُ الكويت، ووعودُ صيدا القديمة. لم يحتح عقلها ليفكر، بل أدركت روحها بيقينٍ صارخ: "هذا هو.. هو الفارس الذي لم يخذل وعده يوماً".
ارتجفت أوصالها، وشعرت بدفءٍ يغزو قلبها المجمّد، وكأن ذاكرة يديه كانت مخزونةً في مسام جلدها منذ تلك اللحظة التي ودعها فيها طفلاً. التفتت وتين بسرعةٍ ملهوفة، والدموعُ تكادُ تفر من عينيها لتنطق باسمه: "مشعل؟". لكنها لم تجد أحداً.
لقد توارى الفارس في ظلال الدرج المعتمة، تاركاً وراءه صمتاً مدوياً، وقلباً يرتجفُ باليقين. كان قد أوفى بوعده وحماها من السقوط، لكنه آثر أن يبقى ظلاً يحرسُ خطوتها حتى يحين وقت المواجهة الكبرى. بقيت وتين واقفةً على الدرج، تتنفسُ بقايا عطره، وتدركُ أن "الملكة" لم تعد تحاربُ وحدها في هذا العالم الموحش