نظرت وتين إلى مشعل بعينين تفيضان بالحكمة، وقالت له بصوتٍ رخيم يهدئ من روع ثورته:
"مشعل.. الصبر هو ما نحتاجه الآن. لا يمكن أن تقتلع الطفل من عالمه وتلقي به في حضنك فجأة، فقلبه الصغير لا يتحمل الصدمات النفسية. سأحضره لك كل يوم، ليتعود عليك، ليرى فيك الأمان أولاً.. ورويداً رويداً، سيفهم الحقيقة من تلقاء نفسه."
استسلم مشعل لمنطقها، وهدأت عواصفه ظاهرياً، لكن في أعماقه، بدأت وحوش الشك تنهش قلبه. تساءل في سره: "من أنتِ يا وتين؟ وكيف استطعتِ تدبير كل هذا؟ هذا الغموض ليس مجرد ذكاء امرأة، بل هو تخطيطُ محارب."
وفي صباح اليوم التالي، لم يهدأ لمشعل بال. قرر أن يفتح "الصندوق الأسود" لحياة زوجته. استغل نفوذه الواسع، واتصل بصديقٍ قديم له يتبوأ مركزاً حساساً في أحد البنوك الكبرى. لم تمر ساعات حتى كانت الحقيقة المذهلة بين يديه؛ أوراق، وأرقام، ووثائق رسمية قلبت كيانه.
اتسعت عيناه وهو يقرأ: أرصدةٌ بنكية ضخمة لا تليق بمجرد ابنة عائلة بسيطة، والاسم الصادم الذي تصدر الوثائق: "شركة الملكة". لم يكتفِ بذلك، بل وقعت يده على وثائق المزادات الأخيرة التي ربحتها "الملكة"، ليكتشف أن زوجته "الهادئة" هي نفسها التي كانت تحطم محمود في السوق وتنتزع منه أملاكه قطعةً قطعة.
أدرك مشعل في تلك اللحظة أنه لم يتزوج امرأة عادية، بل تزوج من "إعصارٍ" متخفٍ في هيئة إنسان. كان الشعور مزيجاً من الذهول، الإعجاب، والرعب.. فماذا تخفي وتين أيضاً؟ وهل هو مجرد "بيذق" في رقعة شطرنجها الكبيرة؟
المواجهةُ الكبرى.. حين تنطقُ الأوراق
كان جنون مشعل يسبق خطاه؛ فقد وصل إلى المنزل قبل وتين، وجلس في الصالة كبركانٍ يغلي بصمت، ينتظر لحظة الانفجار. ما إن وطئت قدما وتين عتبة المنزل، حتى باغتتها يده التي جذبتها بقوةٍ لم تعهدها، وسحبها نحو غرفة النوم موصداً الباب خلفهما، وكأنه يغلقُ العالم الخارجي ليبدأ الحساب.
صرخ بوجهها، وعيناه تشتعلان بنيران الذهول والخيبة:
"الآن.. بدي أفهم كل شيء! من أنتِ يا وتين؟ وما هي هذه اللعبة التي تديرينها خلف ظهري؟"
ألقى بالأوراق والوثائق على السرير أمامها، لتتناثر كأدلةٍ دامغة على "حياة وتين السرية". نظرت وتين إلى الأرصدة واسم "الملكة" ومحاضر المزادات، لكنها —وببراعة "الملكة" الحقيقية— لم تهتز. حافظت على "هدوئها التام" الذي يستفز الرجال، وقالت بنبرةٍ باردة وقورة:
"من أين لك هذه الأوراق يا مشعل؟ هذا اختراق لخصوصيتي.. سأقاضي البنك، ولن يمر هذا الفعل مرور الكرام."
لكن مشعل لم يعد ذلك الرجل الذي يمكن تضليله بكلماتٍ قانونية. اقترب منها حتى لم يعد بينهما سوى أنفاس الغضب، وقال بصوتٍ يملؤه الإصرار:
"لا تهربي من الحقيقة يا وتين! الأوراق أمامي تنطق، وأرصدة الملايين واسم 'الملكة' لا يكذبان. ما هي قصتكِ؟ ولماذا كل هذا الانتقام الممنهج من محمود؟"
رفعت وتين رأسها بشموخ، ونظرت في عينيه بـ "عاطفة جياشة" مكتومة خلف جدارٍ من الصلابة، وقالت بلهجةٍ قاطعة أنهت بها الحوار:
"هذا شيءٌ لا يخصك يا مشعل، ولن أحكي شيئاً. حياتي الخاصة قبل زواجي منك خطٌ أحمر، وما أفعله في عالم المال هو حربي أنا.. حربي التي لا مكان لك فيها."
ساد صمتٌ خانق، مشعل لا يصدق أن زوجته تملك كل هذه القوة وهذا الغموض، ووتين تدرك أن حصنها السري قد انهار، لكنها لن تسمح لأحد —حتى مشعل— أن يدير دفة انتقامها.