في لحظةٍ فقد فيها مشعل كل ذرات صبره، وتحت وطأة شعوره بأنه مغيبٌ تماماً عن حياة المرأة التي تشاركه السقف، تملكه الغضب الأعمى. وبحركةٍ لم يدرك فداحتها إلا بعد فوات الأوان، امتدت يده لتصفع وتين بقوةٍ هزت كيانها، صرخةً مكتومة بالوجع والذهول اندلعت في الغرفة وهو يزأر بوجهها:
"ما راح تقولي؟ هل تظنين أنكِ تستطيعين العيش معي تحت قناع الغموض هذا للأبد؟ تكلمي!"
ترنحت وتين من قوة الصفعة، ووضعت يدها على وجنتها التي اشتعلت حمرةً وألماً، لكنها لم تذرف دمعةً واحدة. بدلاً من ذلك، رفعت رأسها بشموخٍ يكسرُ الجبال، ونظرت في عينيه بـ "تحدٍّ مرير" وصمتٍ كان أشد إيلاماً من أي صرخة، ثم قالت بنبرةٍ باردة كالفولاذ:
"لو تقتلني.. ما بقول شي. سرّي هو حياتي، ولن أمنحه لرجلٍ يظن أن القوة تُقاس بضرب النساء."
هزّت كلماتها كيانه، وزادت من استعاره الداخلي. لم يحتمل مشعل تلك النظرة التي جعلته يشعر بالصغر رغم قوته، فانسحب نحو الباب وهو يشعر بالهزيمة أمام صمودها، وقال بلهجةٍ قاطعة يملؤها الوعيد:
"إذاً.. لن تخرجي من هذه الغرفة! سنرى كم سيصمد كبرياؤكِ وأنتِ سجينة أسرارك."
خرج مشعل من الغرفة، وأوصد الباب خلفه بعنف، ثم أدار المفتاح ليعلن بدء حصار "الملكة". خلف الباب، بقيت وتين واقفة في منتصف الغرفة، ورغم الألم الذي يعتصر وجنتها وقلبها، إلا أن عينيها كانت تلمع بـ "هدوءٍ وقور"؛ فهي تدرك أن السجن الحقيقي ليس خلف هذه الجدران، بل في قلب مشعل الذي بدأ يحترق بنار الفضول.. والحب الذي لا يريد الاعتراف به.
سلاحُ الضعف.. وحين ينهارُ الشموخ
في ليلة اليوم السابع، دخل مشعل الغرفة، وكان يبدو عليه الإرهاق وكأنه هو المسجون لا هي. نظر إلى وتين التي كانت تجلس بـ "هدوء وقور" رغم شحوب وجهها، وقال بنبرة يائسة وصارمة في آن واحد:
"أسبوع كامل يا وتين.. أسبوع ولم يلن قلبكِ. حسناً، بما أنكِ ترفضين الكلام معي، سأذهب الآن إلى أهلك، سأريهم هذه الأوراق، سأريهم أرصدة 'الملكة' ومخططاتك، وهم من سيفهموني ما الذي تفعله ابنتهم خلف ظهورهم!"
هنا، ولأول مرة، سقط قناع البرود عن وجه وتين. اهتز كيانها وانتابها ذعرٌ حقيقي؛ فكشف أمرها أمام والدها المريض يعني دمار كل ما بنته، ويعني مواجهة والداها بحقيقة "سعاد" قبل أن تكتمل فخاخها. صرخت بصوتٍ مخنوق بالهلع:
"لا! أرجوك يا مشعل.. إلا أهلي! لا تذهب إليهم، لا تكسر قلب والدي بما تبقى له من عمر.. أنا مستعدة لأي شيء، سأفعل أي شيء تطلبه مني، فقط لا تخبرهم!"
توقف مشعل عند الباب، ورأى لأول مرة انكسار "الملكة" أمام خوفها على عائلتها. اقترب منها، وكان قلبه يؤلمه لرؤية هذا الرعب في عينيها، وسألها بهدوءٍ حذر:
"إذاً احكي لي القصة كاملة.. لماذا تخفين عنهم كل هذا النجاح؟ ولماذا تخفين عنهم انتقامكِ من محمود؟ ما هو السر الذي يجعلكِ ترتجفين خوفاً من معرفتهم بالحقيقة؟"
ساد صمتٌ ثقيل، غصّت فيه وتين بعبراتها.
تحالفُ الأسرار.. والضربةُ القاضية
نظرت وتين إلى مشعل بعينين يلتمع فيهما الرجاء والصدق، وقالت بصوتٍ خفيض يرتجفُ أثراً:
"أنا الآن لا أستطيع أن أكشف لك كل شيء، الجرح أعمق مما تتخيل.. لكني أعدك، بمجرد أن تنتهي هذه المعركة وأسترد حقي، سأحكي لك القصة من بدايتها. فقط أرجوك.. لا تذهب لأهلي، لا تهدم المعبد فوق رؤوسنا جميعاً."
ساد صمتٌ طويل، كان مشعل يزن فيه كلمات وتين بميزان قلبه الذي بدأ يميل نحوها. رأى في عينيها حزناً قديماً يسبق لقاءهما، وشعر بأن خلف "الملكة" امرأة مكسورة تحاول ترميم شتات عائلتها. تنهد بعمق وقال بنبرةٍ غلب عليها اللين:
"سأصدقكِ يا وتين.. وسأنتظر وعدك. ولكن، ماذا تريدين مني أن أفعل الآن؟ كيف يمكنني أن أكون جزءاً من هذا الغموض؟"
استعادت وتين بريق القوة في عينيها، واقتربت منه قائلة بـ "هدوءٍ وقور":
"محمود يلفظ أنفاسه الأخيرة في السوق، ولم يتبقَ له سوى المصنع والقصر.. جوهرتا تاجه. أريدك أن تدخل المزاد القادم وتنتزعهما منه، ولكن ليس باسمك، بل باسم شركتي.. شركة الملكة."
لم يتردد مشعل للحظة؛ فقد كان يبحث عن وسيلة ليكفر بها عن صفعته لها طوال ذلك الأسبوع، وعن وسيلة يثبت بها أنه "فارسها" الذي يحمي ظهرها. وافق على الفور، وعيناه تلمعان بتحدٍ جديد:
"اعتبري الأمر قد حُسم. سأكون أنا وجه 'الملكة' في هذا المزاد، وسأحطم محمود تماماً كما تريدين."
خرج مشعل من الغرفة وهو يشعر بـ "عاطفة جياشة" تجاه وتين، متحفزاً للمساعدة بكل قوته، دون أن يدرك أنه قد أصبح الآن شريكاً في حرب انتقامٍ ضروس، وقودها دماءٌ قديمة وظلمٌ لم يغفره الزمن. أما وتين، فقد تنفست الصعداء، وهي تدرك أن محمود الآن سيواجه "الملكة" و"الفارس" معاً، وفي هذه المرة.. لن يكون له مفر.