albirinsisahqamar

Share to Social Media

مرت ساعاتٌ بدت كأنها سنين على وتين وهي حبيسة غرفتها، تتخيل انهيار والدها وصدمة عائلتها. فجأة، نُزع المفتاح من الباب، ودخل مشعل وعلامات النصر الزائف ترتسم على وجهه. نظر إليها بـ "خبثٍ مستفز" وقال ببرود:
"لقد انتهى الأمر يا وتين.. ذهبتُ إلى هناك، وأخبرتهم بكل شيء. كل الأوراق، كل الأموال، وكل الحقد الذي تحملينه تجاه سعاد أصبح الآن فوق المائدة."

في تلك اللحظة، انهار حصن "الملكة" تماماً. سقطت وتين على ركبتيها، وانفجرت في بكاءٍ مرير هزّ كيان مشعل؛ كانت تشعر بأن عالمها قد تهاوى، وصرخت بمرارة:
"ماذا فعلت؟ يا الله.. ماذا فعلت؟ لقد خرّبت كل شيء! لقد قتلت والدي بهذا الخبر، وهدمت سنوات من التخطيط والصبر.. لماذا فعلت هذا بي؟"

لم يتحمل مشعل رؤية هذا الانهيار الصادق. اقترب منها بسرعة، وجثا على ركبتيه أمامها، ثم أمسك وجهها برقةٍ مباغتة، ومسح دموعها بإبهامه وقال بصوتٍ هادئ يملؤه الندم:
"لم أقل شيئاً يا وتين.. اقسم لكِ أنني لم أنطق بكلمة. كنتُ جالساً في الصالة مع والِدكِ، أشرب القهوة وأراقبهما، لكني لم أفتح فمي. أردتُ فقط أن أعرف.. لماذا كل هذا الخوف؟ ما الذي تخفينه ويجعلكِ تنهارين هكذا؟"

توقفت أنفاس وتين، ونظرت إليه بعيونٍ حمراء متعبة، ممزوجة بالراحة والغضب من خدعته. التقت عيناهما في لحظةٍ فاضت فيها "عاطفة جياشة"،
استراحةُ المحارب.. ونداءُ الروح
بمجرد أن أُغلقت أبواب المخفر خلفهما، شعرت وتين بثقلٍ ينزاح عن صدرها. التفتت إلى مشعل، وبنبرةٍ هادئة ولكنها قاطعة، قالت:
"انتهت الحرب يا مشعل. الآن، أريد منك غداً أن توصلني إلى منزل أبي.. حان الوقت ليسمع الحقيقة من لساني أنا، لا من أحدٍ آخر."

في الصباح، كان الجو يغلفه هدوءٌ يسبق الانكشاف الأخير. دخلت وتين على والدها، وبـ "هدوءٍ وقور" قصّت عليه كل شيء؛ من جحيم "سعاد" وغدر "محمود"، إلى رحلة استعادتها لكل قرش وسند سُلب من العائلة. ساد الصمت لبرهة، حزن الأب وتألم قلبه لما مرت به ابنته وحيدة، لكنه تنهد بعمقٍ وقال بامتنان:
"يا ابنتي.. لقد عدتُ للحياة اليوم. آخر شيء كنت أتمناه هو أن أرى حياتي وقد رجعت كما كانت، وبفضلكِ أنتِ، حدث ذلك."

خرجت وتين من عند والدها وهي تشعر بالخفة، وكأنها استعادت هويتها المفقودة. ركبت السيارة بجانب مشعل، الذي كان يراقبها بصمتٍ يملؤه الذهول والاحترام لهذه المرأة التي قلبت الموازين. وفي طريق العودة، وبينما كانت الشوارع تمرّ من خلف النافذة، التفتت إليه وتين وسألته بصوتٍ خافت، يحمل نبرةً لم يسمعها منها من قبل:
"مشعل.. هل يمكنك أن تأخذني إلى مكانٍ ما الآن؟"
: بَرْدُ السلام.. ووداعُ الأوجاع
ساد الصمتُ في السيارة لثوانٍ، قبل أن تجيب وتين بصوتٍ يملؤه الشجن:
"إلى قبر أمي."

لم يزد مشعل كلمة واحدة؛ انطلق بها والذهول يغلف قلبه، فهذه هي المرة الأولى التي تطلب فيها وتين شيئاً منه كإنسان، لا كشريك عمل. عندما وصلا، كان السكون يلفّ المكان، وكأن الطبيعة تحترمُ قدسية اللقاء. وقفة أمام القبر امها، ولم تكن هناك حاجة للكلام؛ فقد كانت دموع وتين الغزيرة التي انهمرت بلا صوت هي اللغة التي تحكي كل شيء.
انحنت وتين، وبـ "عاطفة جياشة" لم تظهرها من قبل، طبعت قبلةً رقيقة على شاهد القبر، وهمست بألمٍ حقيقي ممزوجٍ برجاءٍ سماوي:
"لقد انتصرتُ يا أمي.. استعدتُ كل شيء، وكسرتُ من غدروا بكِ. ارتاحي الآن في سلام، فقد أوفيتُ بعهدي."

كان مشعل يراقبها من خلفها، وشعر بـ "وجعٍ لذيذ" يمزق صدره؛ فرؤية هذه المرأة القوية وهي تنحني أمام قبر والدتها جعلته يدرك مدى رقتها التي كانت تخبئها تحت دروعها الفولاذية.
عندما عادا إلى السيارة، لاحظ مشعل أن ملامح وتين قد تغيرت؛ كان الهدوء يكسو وجهها، وكأن زلزالاً قد سكن أخيراً، وكأن حملاً ثقيلاً تنوء به الجبال قد أزيح عن كاهلها الصغير. لم تعد "الملكة" المحاربة، بل بدأت تظهر "وتين" التي يحتاجها قلبه.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.