هبطت الطائرة القادمة من دبي في مطار هيثرو وسط سماء رمادية غطتها الغيوم الخفيفة.
وقف سامي أمام النافذة الزجاجية الكبيرة داخل المطار يتأمل لندن التي طالما كان يزورها.
كان في الأربعين من عمره، رجل أعمال إماراتي ناجح، بنى إمبراطوريته التجارية بجهده خلال سنوات طويلة. بشرته السمراء وملامحه الحادة وجسده الرياضي منحته حضورًا لافتًا أينما ذهب.
ورغم نجاحه الكبير، كان يشعر أحيانًا أن حياته أصبحت سلسلة متكررة من الاجتماعات والعقود والأرقام.
لهذا السبب قرر أن يمنح نفسه إجازة قصيرة وتقليل فترة العمل لمدة أسبوعان، والتنزة في لندن. المدينة التي يصفها
له الجميع بأنها لا تشبه أي مدينة أخرى..تنفس بعمق وهو يجر حقيبته نحو الخارج.
ابتسم قائلاً لنفسه، "حان الوقت لأعيش قليلًا."
في الجهة الأخرى من المدينة، كانت ماري تخرج مسرعة من شقتها الصغيرة القريبة من وسط لندن.
كانت شابة بريطانية في الخامسة والعشرين من عمرها، شقراء ذات عينين زرقاوين لامعتين وابتسامة قادرة
على تغيير مزاج أي شخص. لكنها لم تكن تبتسم الآن..كانت متأخرة، متأخرة جدًا.
ألقت نظرة سريعة على الساعة في معصمها، ثم شهقت.
"لا... لا... لا!"
أمسكت حقيبتها بسرعة واندفعت نحو الشارع.
اليوم لم يكن يومًا عاديًا. فبعد أشهر من العمل والتخطيط، حصلت أخيرًا على فرصة لتقديم مشروعها أمام إدارة
شركة سياحية كبيرة.
إذا نجح العرض، فقد تتغير حياتها المهنية بالكامل، أما إذا فشلت...فستعود إلى نقطة الصفر.
في فترة الظهيرة كان سامي يتجول قرب نهر التايمز.
أعجبته الحركة المستمرة في الشوارع، السياح، الموسيقيون، الحافلات الحمراء الشهيرة، ورائحة القهوة
القادمة من المقاهي القديمة.
شعر للمرة الأولى منذ سنوات بأنه لا يحمل أي مسؤولية فوق كتفيه، وقرر عبور الشارع نحو مقهى مطل على النهر.
وفي اللحظة نفسها...كانت ماري تركض على الرصيف المقابل وهي تحمل ملفات مشروعها تحت ذراعها.
لم تكن تنظر أمامها. كانت تقرأ رسالة وصلت إلى هاتفها، وفجأة...اصطدمت بشخص بقوة، تناثرت الأوراق
في الهواء، وسقط الهاتف على الأرض.
تراجعت ماري خطوة وهي تصرخ:
"أوه يا إلهي!"
أما سامي فالتقط إحدى الأوراق قبل أن تطير بعيدًا.
انحنى ليساعدها على جمع البقية.
قال بهدوء:
"يبدو أن هذه الأوراق مهمة."
رفعت رأسها نحوه بسرعة، وللحظة قصيرة...توقفت الكلمات في حلقها.
كان أطول مما توقعت، وكان ينظر إليها بعينين داكنتين تحملان هدوءًا غريبًا.
لكن توترها لم يسمح لها بالتفكير أكثر.
قالت بانزعاج:
"نعم، مهمة جدًا... ولهذا كنت أفضل لو لم تقف في طريقي."
رفع سامي حاجبه مستغربًا..ثم ابتسم.
"أنا الذي كنت أقف في طريقي؟"
احمر وجهها قليلًا..أدركت أنها هي من اصطدمت به. لكن كبرياءها منعها من الاعتراف فورًا.
قالت:
"حسنًا... ربما كنت أنا."
ابتسم سامي أكثر.
"ربما؟"
أخذت الأوراق من يده بسرعة.
"شكرًا على المساعدة."
ثم استدارت لتغادر..لكن قبل أن تخطو خطوتين، ناداها:
"انتظري."
التفتت نحوه..رفع ملفًا صغيرًا.
"أظن أنك نسيتِ هذا."
اتسعت عيناها. كان أهم ملف في المشروع، لو ضاع لانتهى كل شيء، فأسرعت نحوه وأخذته.
هذه المرة بدت أكثر لطفًا.
"شكرًا... حقًا."
هز كتفيه.
"على الرحب والسعة."
ترددت لحظة..ثم قالت:
"آسفة لأنني كنت وقحة قليلًا."
ضحك سامي.
"قليلًا فقط؟"
لم تستطع منع نفسها من الابتسام، وللمرة الأولى منذ ساعات شعرت أن توترها بدأ يختفي.
لكن هاتفها رن فجأة، فنظرت إلى الشاشة، ثم شهقت.
"لقد تأخرت!"
التقطت حقيبتها بسرعة، وأشارت إليه بإحراج.
"كان من اللطيف مقابلتك... أيًا يكن اسمك."
قال:
"سامي."
ابتسمت.
"أنا ماري."
ثم ركضت مبتعدة قبل أن تسمع رده.
وقف سامي يشاهدها وهي تختفي بين المارة، ولسبب لم يفهمه...ظل ينظر إلى المكان الذي اختفت فيه لعدة ثوانٍ.
ثم هز رأسه ضاحكًا..مجرد فتاة متوترة، لقاء عابر، ولن يراها مرة أخرى على الأرجح.
في المساء عاد سامي إلى الفندق الفاخر الذي يقيم فيه.
استقبله موظف الاستقبال بابتسامة رسمية.
وقال:
"سيدي سامي، هناك دعوة وصلت لك من شركة بريطانية كبرى ترغب في مقابلتك غدًا بشأن مشروع
استثماري جديد."
تفاجأ سامي..لقد جاء إلى لندن للسياحة وليس للعمل، لكنه وافق على اللقاء في النهاية.
صعد إلى جناحه وهو يتساءل عما ينتظره غدًا.
وفي الجانب الآخر من المدينة...
دخلت ماري مقر الشركة وهي تلهث، وصلت قبل دقائق قليلة من بدء الاجتماع.
تنفست بارتياح، ثم اتجهت نحو قاعة الاجتماعات.
فتحت الباب، ودخلت..لكنها تجمدت فجأة في مكانها.
على الشاشة الكبيرة أمام الحضور ظهر اسم المستثمر الإماراتي الذي سيشارك في المشروع الجديد.
حدقت في الاسم غير مصدقة، ثم همست بصوت خافت:
"لا... مستحيل..."
كان الاسم المكتوب أمامها هو نفسه اسم الرجل الذي اصطدمت به قبل ساعات فقط، سامي، الرجل الذي أقسمت
أنها لن تراه مرة أخرى. لكن يبدو أن القدر كان يملك خطة مختلفة تمامًا.