لم تستطع ماري إبعاد الصورة عن ذهنها.
حتى بعد عودتها إلى منزلها تلك الليلة، بقيت الصورة أمام عينيها..سامي، والرجل الآخر.
الرجل الذي كانت تعرفه من قصص والدها منذ طفولتها. كانت قد سمعت اسمه عشرات المرات.
جاك أوليفر.
رجل أعمال بريطاني شهير توفي قبل سنوات في ظروف غامضة أثارت الكثير من الجدل.
لكن ما علاقة سامي به؟ ولماذا التقطت تلك الصورة معه؟ الأهم من ذلك كله... لماذا بدا الاثنان قريبين
من بعضهما إلى هذا الحد؟
في صباح اليوم التالي وصلت ماري إلى الشركة وهي تحمل عشرات الأسئلة.
لكنها لم تكن تعرف كيف تطرحها. كيف يمكنها أن تسأل سامي مباشرة عن صورة عمرها سنوات؟
وكيف تشرح له أنها كانت تفتش في الأرشيف عندما وجدتها؟ لهذا قررت شيئًا آخر، أن تراقب.
أن تجمع المعلومات أولًا، ثم تواجهه لاحقًا.
خلال الاجتماع الصباحي، لاحظت شيئًا غريبًا.
كلما ذكر أحدهم اسم جاك أوليفر ضمن قائمة المستثمرين السابقين للمشروع، كان سامي يلتزم الصمت.
لا يعلق، لا يسأل، ولا يشارك في النقاش. كأنه يتجنب الموضوع عمدًا، وهذا زاد شكوكها أكثر.
في فترة الظهيرة، كانت تعمل على مراجعة بعض العقود عندما ظهر سامي عند باب مكتبها.
قال:
"هل لديك وقت؟"
رفعت رأسها.
"لأي شيء؟"
ابتسم بخفة.
"أحتاج رأيك في بعض التعديلات الخاصة بالمشروع."
أخذت الملفات منه وجلست معه في غرفة الاجتماعات الصغيرة، وخلال العمل حاولت أن تتصرف بشكل طبيعي.
لكنها لم تنجح. كان سامي يلاحظ شرودها المتكرر، وفي النهاية أغلق الملف أمامه.
وقال بهدوء:
"ما الذي يشغلك؟"
تجمدت للحظة.
"لا شيء."
ابتسم ابتسامة خفيفة.
"هذه أكبر كذبة سمعتها هذا الأسبوع."
نظرت إليه بضيق.
"وهل أصبحت خبيرًا في قراءة الأفكار؟"
"ليس الأفكار."
أجاب وهو يراقبها.
"الوجوه فقط."
للحظة شعرت برغبة في إخباره بكل شيء، لكنها تراجعت، ليس بعد.
في مساء ذلك اليوم تعرضت الشركة لمشكلة مفاجئة.
أحد الموردين الرئيسيين انسحب من المشروع، وسادت حالة من التوتر بين الجميع.
اضطر الفريق إلى البقاء حتى ساعات متأخرة من الليل لإيجاد بديل، وبينما كان الجميع منشغلين،
لاحظت ماري أن سامي لم يغادر مقعده لساعات طويلة. كان يعمل بلا توقف، يتصل بالشركات.
ويراجع العقود، ويبحث عن حلول.
لم يكن يفعل ذلك من أجل نفسه فقط، بل من أجل الفريق بأكمله.
عند منتصف الليل تقريبًا، دخل أحد الموظفين الشباب إلى القاعة وهو يبدو مرتبكًا.
قال بصوت خافت:
"أنا آسف... الخطأ كان بسببي."
ساد الصمت..توقعت ماري أن يغضب سامي، لكن ما حدث فاجأها.
وقف سامي وربت على كتف الشاب.
وقال:
"الأخطاء تحدث."
رفع الشاب رأسه بدهشة، أما سامي فأكمل:
"المهم أن نتعلم منها."
ثم عاد للعمل وكأن شيئًا لم يكن. راقبت ماري المشهد بصمت، وفي تلك اللحظة شعرت أن الرجل
الذي أمامها يختلف كثيرًا عن الصورة التي رسمتها له سابقًا.
بعد يومين فقط، حدث شيء جديد.
شيء قلب كل أفكارها رأسًا على عقب. كانت تغادر الشركة عندما رأت امرأة تقف قرب المدخل الرئيسي.
امرأة أنيقة، طويلة القامة، ذات شعر أسود لامع وملامح جذابة. بدت واثقة من نفسها بشكل لافت، وفجأة...
ابتسمت المرأة عندما رأت سامي يخرج من المبنى، واتجهت نحوه مباشرة.
توقفت ماري دون أن تشعر، وراقبت المشهد من بعيد. اقتربت المرأة من سامي، ثم عانقته.
تجمدت ماري مكانها..لم تكن تعرف لماذا شعرت بانقباض مفاجئ داخل صدرها، لكنها شعرت به.
بوضوح. تحدثا لدقائق، ثم ضحكا معًا، وكان واضحًا أنهما يعرفان بعضهما منذ فترة طويلة.
في اليوم التالي لم تستطع مقاومة فضولها.
سألت إحدى الموظفات:
"من هي المرأة التي كانت مع سامي أمس؟"
ابتسمت الموظفة.
"آه... تقصدين لاريسا."
"لاريسا؟"
"نعم."
اقتربت الموظفة أكثر، وأضافت بصوت منخفض:
"كانت تعمل معه منذ سنوات."
"فقط تعمل معه؟"
رفعت الموظفة كتفيها.
"هناك شائعات كثيرة."
شعرت ماري بانزعاج لم تفهم سببه، فسألت بسرعة:
"أي شائعات؟"
ابتسمت الموظفة بخبث.
"بعض الناس يقولون إنها كانت أكثر من مجرد شريكة عمل."
في تلك الليلة لم تستطع ماري التركيز.
كلما حاولت العمل، ظهرت صورة لاريسا في رأسها، وكلما تذكرت ضحكة سامي معها، شعرت بشيء يشبه الغيرة.
الأمر أزعجها بشدة. كيف يمكن أن تغار؟ هي لا تعرف حقيقة مشاعرها أصلًا، ولا تعرف حقيقة سامي.
ولا تزال تشك بأنه يخفي أسرارًا كبيرة، ومع ذلك...لم تستطع تجاهل ذلك الشعور.
بعد أيام قليلة، حصلت أخيرًا على فرصة لمعرفة المزيد.
كانت تراجع بعض الملفات القديمة الخاصة بجاك أوليفر، وهناك وجدت وثيقة لم تكن تتوقعها.
قرأت السطر الأول، ثم الثاني، واتسعت عيناها بصدمة، لأن الوثيقة أكدت شيئًا مهمًا.
سامي لم يكن سبب المشكلة التي حدثت لجاك أوليفر، بل كان يحاول مساعدته. لكن ذلك لم يكن نهاية القصة.
بل بدا وكأنه مجرد جزء صغير منها، جزء ناقص، جزء يخفي خلفه حقيقة أكبر بكثير.
وفي تلك الليلة، وبينما كانت تستعد لمغادرة المكتب، وصل إلى بريدها الإلكتروني ملف مجهول المصدر.
لم يكن هناك اسم مرسل، ولا أي رسالة مرفقة، فقط ملف واحد، ترددت للحظة، ثم فتحته.
ظهرت صورة على الشاشة، وعندما رأت محتواها...شعرت بأن الدم تجمد في عروقها.
كانت الصورة تُظهر سامي، لكن ليس هذا ما صدمها، بل الشخص الذي كان يقف بجانبه.
شخص لم تكن تتوقع رؤيته أبدًا. شخص مرتبط مباشرة بماضي عائلتها، وبسر ظل مخفيًا لسنوات طويلة.
ارتجفت يدها وهي تحدق في الشاشة، ثم همست بصوت مرتجف:
"إذا كان هذا حقيقيًا... فكل ما كنت أؤمن به قد يكون كذبًا."
وأغلقت الشاشة بسرعة. بينما بدأ الخوف الحقيقي يتسلل إلى قلبها لأول مرة.