Qaed

Share to Social Media

لم تستطع ماري التوقف عن التفكير في الملف المجهول.
من أرسله؟ ولماذا؟ ومن هو الشخص الذي ظهر في الصورة إلى جانب سامي؟
كانت الأسئلة تتراكم داخل رأسها يومًا بعد يوم، لكن المشكلة الحقيقية لم تكن في الأسئلة، بل في سامي نفسه.
كلما حاولت الابتعاد عنه...وجدت نفسها تفكر فيه أكثر.
في صباح اليوم التالي اجتمع الفريق لمناقشة أزمة جديدة تهدد المشروع.
أحد المستثمرين الرئيسيين قرر الانسحاب فجأة، وكان على الجميع إيجاد حل سريع.
استمر الاجتماع لساعات طويلة، وتصاعد التوتر داخل القاعة.
لكن سامي بقي هادئًا بشكل لافت. كان يوزع المهام، ويبحث عن البدائل، ويمنح الجميع شعورًا بأن المشكلة
يمكن حلها، حتى ماري شعرت بالاطمئنان رغم خطورة الموقف، وفي نهاية الاجتماع قال سامي
"لن أسمح لهذا المشروع بالفشل."
ثم نظر نحو ماري مباشرة، وأضاف:
"وسننجح إذا عملنا معًا."
لم تعرف لماذا شعرت بحرارة خفيفة في وجهها، لكنها اضطرت إلى النظر بعيدًا.
خلال الأيام التالية، اضطر سامي وماري إلى قضاء وقت أطول معًا.
زيارات ميدانية، اجتماعات، مكالمات طويلة، وساعات عمل تمتد حتى وقت متأخر من الليل.
ومع مرور الوقت، بدأت الحواجز بينهما تتلاشى.
في إحدى الأمسيات كانا يجلسان في مقهى صغير يطل على نهر التايمز.
كان المطر الخفيف يتساقط خلف الزجاج، وأضواء المدينة تنعكس على سطح الماء.
قالت ماري وهي تحرك كوب القهوة:
"إذا لم تكن رجل أعمال... ماذا كنت ستصبح؟"
فكر سامي للحظة..ثم ابتسم.
"لم يسألني أحد هذا السؤال من قبل."
"إذن أجب."
نظر إلى النهر، وقال بهدوء:
"ربما كنت سأصبح مصورًا."
اتسعت عيناها.
"مصورًا؟"
ضحك.
"أعرف أن الأمر يبدو غريبًا."
"غريب جدًا."
للمرة الأولى منذ فترة طويلة ضحك سامي بصوت مرتفع، وكانت ضحكته صادقة، دافئة.
ومختلفة تمامًا عن ابتساماته المعتادة. شعرت ماري أن قلبها تسارع قليلًا.
في مساء آخر، وبينما كانا يغادران أحد الاجتماعات، تعرضت ماري لموقف محرج.
فقد تعطلت سيارتها في شارع جانبي بعيد عن وسط المدينة، وكان المطر يهطل بغزارة.
وقفت بجانب السيارة وهي تحاول الاتصال بخدمة الطوارئ، لكن هاتفها نفدت بطاريته.
وفي تلك اللحظة توقفت سيارة سوداء بالقرب منها. نزل سامي، ثم نظر إليها ثم إلى السيارة.
وقال مبتسمًا:
"لا تخبريني أنك تحاولين إصلاح المحرك بنفسك."
تنهدت.
"يوم سيئ."
اقترب منها، ثم خلع سترته ووضعها فوق كتفيها لتحتمي من المطر.
قال:
"تعالي."
نظرت إليه.
"إلى أين؟"
"سأوصلك إلى المنزل."
شعرت برغبة في الرفض، ولكن المطر كان يزداد، وفي النهاية وافقت.
خلال الطريق دار بينهما حديث مختلف.
حديث بعيد عن العمل، بعيد عن المشاريع والعقود، تحدثا عن الطفولة، والأحلام، والفرص الضائعة.
والأشياء التي يتمنيان تغييرها في حياتهما، ولأول مرة شعرت ماري أنها ترى سامي الحقيقي.
الرجل خلف رجل الأعمال، الرجل الذي يحمل حزنًا قديمًا لا يتحدث عنه.
عندما وصلوا إلى منزلها، ساد صمت قصير داخل السيارة.
كان بإمكان أي منهما المغادرة، لكن أحدهما لم يفعل.
قال سامي أخيرًا:
"أشعر بالراحة عندما أتحدث معك."
تجمدت ماري..ثم رفعت رأسها ببطء. كانت هذه أول مرة يقول لها شيئًا بهذه الصراحة.
شعرت أن قلبها ينبض بقوة، أما سامي فبدا وكأنه يريد قول شيء آخر، شيء أكثر أهمية.
لكن هاتفه رن فجأة، فنظر إلى الشاشة، واختفت الراحة من وجهه فورًا.
تحول إلى شخص آخر، شخص متوتر، وقلق، وحذر.
أجاب بسرعة، واستمع لثوانٍ..ثم قال بصوت منخفض:
"كيف حصل هذا؟"
ساد الصمت..ثم أضاف:
"لا... لا تخبروها بأي شيء حتى أصل."
وأغلق الهاتف.
نظرت إليه ماري بقلق.
"هل كل شيء بخير؟"
أجبر نفسه على الابتسام.
"نعم."
لكنها أدركت أنه يكذب، للمرة الأولى.
في الأيام التالية عاد التوتر إلى سامي، وأصبح أكثر انشغالًا، وأكثر صمتًا.
وفي الوقت نفسه بدأت ماري بمراجعة الملف المجهول مرة أخرى.
هذه المرة بدقة أكبر، وكانت المفاجأة أن بعض المعلومات الموجودة فيه صحيحة بالفعل.
لكن أجزاءً كثيرة أخرى بدت ناقصة، أو مشوهة عمدًا، وكأن شخصًا ما يريد إقناعها بشيء معين.
دون أن يمنحها الحقيقة كاملة.
ثم حدث ما لم تكن تتوقعه. في أحد الأيام رأت سامي يدخل أحد الفنادق الفاخرة في لندن.
وكانت معه لاريسا، المرأة الغامضة من ماضيه.
ترددت ماري للحظة، ثم تبعتهما من بعيد.
رأت سامي ولاريسا يجلسان معًا في زاوية هادئة، وكان الحديث بينهما جادًا، ومشحونًا بالعاطفة.
وفي لحظة معينة...أمسكت لاريسا بيده، وتحدثت إليه بصوت بدا مؤثرًا للغاية.
شعرت ماري بانقباض مؤلم في صدرها..لم تسمع ما قيل، لكن المشهد وحده كان كافيًا.
غادرت المكان قبل أن يلاحظها أحد، وفي تلك الليلة اتخذت قرارًا..ستبتعد قليلًا عن سامي.
قبل أن يتعلق قلبها بشخص قد يخفي عنها أكثر مما تعرف.
لكن في صباح اليوم التالي وصلت رسالة جديدة إلى هاتفها.
من رقم مجهول..فتحتها، وكانت تحتوي على اسم واحد فقط..اسم جعل الدم يتجمد في عروقها.
حدقت في الشاشة عدة ثوانٍ طويلة..غير مصدقة، ثم همست بصوت مرتجف
"مستحيل..."
لأن الشخص الذي أرسل لها كل تلك الملفات والصور لم يكن غريبًا، ولم يكن مجهولًا.
بل شخصًا تعرفه منذ سنوات طويلة. شخصًا كانت تثق به أكثر من أي شخص آخر، وفجأة أدركت أن اللعبة
التي بدأت حول سامي أخطر بكثير مما تخيلت، وأن الحقيقة ربما كانت أقرب إليها طوال الوقت.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.