Qaed

Share to Social Media

بقيت ماري تحدق في الاسم المعروض على الشاشة وكأنها لا تصدق ما تراه.
سامي، الرجل نفسه الذي اصطدمت به صباحًا قرب نهر التايمز.
الرجل الذي اعتقدت أنها لن تراه مرة أخرى.
جلست ببطء على أحد المقاعد بينما كانت الأفكار تتزاحم داخل رأسها..هل يعقل أن يكون هو المستثمر
الإماراتي الذي تتحدث عنه الشركة منذ أسابيع؟
قبل أن تجد إجابة، فُتح باب القاعة.
دخل عدد من المديرين التنفيذيين يتقدمهم رجل طويل القامة يرتدي بدلة سوداء أنيقة.
شعرت ماري بأن قلبها توقف لثانية.
كان سامي. رفع نظره نحو الحاضرين، ثم وقعت عيناه عليها، وللحظة قصيرة ظهر على وجهه تعبير مفاجئ.
لكنه سرعان ما استعاد هدوءه المعتاد، أما ماري فكانت تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها.
بدأ الاجتماع.. وتحدث المدير العام للشركة عن مشروع سياحي ضخم يهدف إلى جذب استثمارات دولية
جديدة إلى لندن، ثم قدم سامي للحاضرين.
قال المدير:
"يسرنا أن نرحب بالسيد سامي، أحد أبرز رجال الأعمال القادمين من دولة الإمارات."
ساد الصمت بينما تبادل الحاضرون نظرات الإعجاب.
أما ماري فشعرت بالحرج، لقد تعاملت مع هذا الرجل صباحًا وكأنه مجرد سائح عادي.
بعد انتهاء العرض الرئيسي، أعلن المدير أمرًا جديدًا.
قال مبتسمًا:
"ومن أجل ضمان نجاح المشروع، قررنا تعيين الآنسة ماري لتكون المسؤولة الرئيسية عن التنسيق المباشر مع السيد سامي طوال فترة وجوده في لندن."
شعرت ماري وكأن صاعقة ضربتها.
"ماذا؟"
خرجت الكلمة منها دون قصد.
ضحك بعض الحاضرين.
أما سامي فاكتفى برفع حاجب واحد وهو ينظر إليها.
أدركت خطأها بسرعة، وأضافت مرتبكة:
"أقصد... شكرًا على الثقة."
لكن الأوان كان قد فات. كانت الابتسامة الخفيفة قد ظهرت على وجه سامي بالفعل.
بعد الاجتماع بدقائق، وجدت نفسها تسير معه في ممرات الشركة.
ساد صمت قصير بينهما..ثم قال سامي:
"يبدو أن القدر لا يوافق على خطتك بعدم رؤيتي مرة أخرى."
نظرت إليه بضيق.
"وأنت ما زلت تتذكر ذلك؟"
أجاب بابتسامة هادئة:
"من الصعب أن أنسى شخصًا اتهمني بالوقوف في طريقه بينما كان هو من اصطدم بي."
تنهدت ماري.
"سنظل نتحدث عن هذا الموقف إلى الأبد، أليس كذلك؟"
"ربما."
توقفت فجأة..ثم قالت:
"اسمع... أنا آسفة فعلًا."
نظر إليها للحظة..ثم هز رأسه.
"لا داعي للاعتذار."
تفاجأت بسهولة رده، كانت تتوقع منه شيئًا من الغرور أو التكبر، فهو رجل أعمال مشهور وثري.
لكنها لم تجد أيًا من ذلك.
في الأيام التالية بدأت الشراكة بينهما، وسرعان ما اكتشفت أن العمل مع سامي ليس سهلًا.
كان منظمًا إلى درجة مزعجة، يدقق في أصغر التفاصيل، ويطلب تقارير دقيقة عن كل شيء، أما هي فكانت تعتمد
على الإبداع والمرونة أكثر من القواعد الصارمة.
وفي أحد الاجتماعات انفجر الخلاف بينهما.
قالت ماري بانفعال:
"لا يمكننا قضاء أسبوع كامل في مراجعة التفاصيل الصغيرة."
أجاب سامي بهدوء:
"وهذا بالتحديد ما يجعل المشاريع تنجح."
"بل ما يجعلها تتأخر."
"ومن دون تلك التفاصيل قد تفشل بالكامل."
شعرت برغبة في رمي الملف الذي بيدها نحوه، أما هو فبدا هادئًا بشكل مستفز، وفي النهاية غادرت القاعة غاضبة.
في ذلك المساء، وبينما كانت تعمل وحدها داخل المكتب، انقطعت الكهرباء مؤقتًا بسبب عطل فني.
تنهدت بضيق، لقد كانت مرهقة، ومتأخرة، وجائعة، وفوق ذلك كله... مضطرة للتعامل مع سامي.
بعد دقائق عاد التيار الكهربائي. لكنها فوجئت بوجود كوب قهوة ساخن على مكتبها..رفعت رأسها.
كان سامي يقف قرب الباب..قال ببساطة:
"لاحظت أنك لم تتوقفي منذ الصباح."
حدقت فيه بدهشة.
"اشتريت هذا من أجلي؟"
هز كتفيه.
"لا أريد أن ينهار أحد أفراد الفريق قبل انتهاء المشروع."
أرادت الرد بسخرية، لكنها لم تستطع، لأنها شعرت فجأة أن هذا الرجل يهتم أكثر مما يحاول إظهاره.
مر أسبوع آخر، وبدأت صورة سامي تتغير تدريجيًا داخل عقلها.
كانت تسمع قصصًا كثيرة عنه، فبعض الموظفين وصفوه بأنه عبقري في عالم الأعمال، بينما اعتبره آخرون
شديد البرود، لكنها بدأت تلاحظ أشياء مختلفة. رأته يساعد أحد الموظفين الجدد دون أن يعرف أحد.
ورأته يتبرع بهدوء لمؤسسة خيرية محلية، ورأته يقضي ساعات طويلة في مراجعة أعمال الفريق
حتى لا يتحمل الآخرون أخطاء لم يرتكبوها. كل ذلك لم يكن يتوافق مع الصورة التي رسمتها عنه سابقًا.
في إحدى الأمسيات، اضطرا إلى البقاء في الشركة حتى وقت متأخر، وكان معظم الموظفين قد غادروا.
جلسا في غرفة الاجتماعات الهادئة يراجعان بعض الملفات.
قالت ماري فجأة:
"هل تندم أحيانًا على دخول عالم الأعمال؟"
رفع سامي نظره عن الأوراق.
"أحيانًا."
تفاجأت بالإجابة..سألته:
"حقًا؟"
ابتسم ابتسامة صغيرة.
"النجاح له ثمن."
ساد صمت قصير..ثم قالت:
"وأنت... هل تدفع هذا الثمن وحدك؟"
نظر إليها للحظة أطول من المعتاد..ثم أجاب:
"في أغلب الأحيان."
لأول مرة شعرت بشيء مختلف في صوته، شيء يشبه الوحدة، ولأول مرة شعرت أنها لا ترى رجل الأعمال
الناجح فقط، بل الإنسان الذي يختبئ خلفه.
عندما انتهى العمل وغادرت الغرفة، كانت تسير نحو المصعد.
لكنها سمعت أصواتًا قادمة من أحد المكاتب القريبة. كان الباب شبه مغلق، وتسلل صوت رجل يتحدث بحدة.
توقفت دون قصد، ثم سمعت صوت سامي. كان يتحدث مع شخص عبر الهاتف.
قال بصوت منخفض لكنه واضح:
"لا... لا يمكن أن تعرف الحقيقة الآن."
تجمدت ماري مكانها.
أكمل سامي:
"إذا اكتشفت ما حدث في الماضي، فسيتدمر كل شيء."
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
ثم أضاف:
"أخبرتك أنني سأتحمل المسؤولية وحدي."
ساد صمت طويل..ثم أغلق الهاتف. أما ماري فبقيت واقفة خلف الباب، وقلبها ينبض بعنف.
من أي حقيقة كان يتحدث؟ وما الذي يحاول إخفاءه؟ ولماذا بدا وكأنه يحمل سرًا ثقيلًا منذ سنوات؟
ابتعدت بصمت قبل أن يراها. لكن سؤالًا واحدًا ظل يطاردها طوال الطريق إلى منزلها
من هو سامي حقًا؟ وهل الرجل الذي بدأت تثق به يخفي وجهًا آخر لم تره بعد؟.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.