Qaed

Share to Social Media

بقيت ماري تحدق في شاشة هاتفها لوقت طويل.
الاسم الذي ظهر أمامها لم يكن مجرد اسم، كان صدمة. كان اسم "ألفريد كينيث"، صديق والدها القديم.
الرجل الذي عرفته منذ طفولتها، والذي كانت تعتبره جزءًا من عائلتها تقريبًا.
كيف يمكن أن يكون هو الشخص الذي أرسل لها الرسائل المجهولة؟ وكيف أصبح مهتمًا بسامي إلى هذه الدرجة؟
في صباح اليوم التالي قررت مواجهته.
اتصلت به مباشرةن وبعد تردد قصير وافق على مقابلتها.
جلسا في مقهى هادئ بعيد عن وسط لندن، وكان ألفريد يبدو متوترًا بشكل غير معتاد.
قالت ماري فور جلوسها:
"أنت من أرسل الرسائل."
ساد الصمت..ثم تنهد الرجل ببطء، وقال:
"نعم."
شعرت بصدمة رغم أنها كانت تعرف الإجابة مسبقًا.
"لماذا؟"
نظر إليها مطولًا..ثم قال:
"لأنني أحاول حمايتك."
عقدت حاجبيها.
"حمايتي من سامي؟"
أومأ برأسه.
"أنت لا تعرفين الحقيقة كاملة."
خلال الساعة التالية أخبرها ألفريد أشياء كثيرة.
بعضها كان منطقيًا، وبعضها بدا ناقصًا. قال إن سامي كان مرتبطًا بقضية قديمة تخص جاك أوليفر.
وأن هناك أسرارًا لم تُكشف بعد، وأن اقترابها منه قد يضعها في خطر. لكن كلما تحدث أكثر، شعرت ماري
أن شيئًا ما غير صحيح.. لقد كان يخبرها أجزاء من القصة فقط، وليس القصة كاملة، تمامًا كما حدث
في الملفات المجهولة.
في تلك الليلة عادت إلى منزلها أكثر حيرة من أي وقت مضى.
كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط، أنها لم تعد قادرة على الحكم على سامي اعتمادًا على كلام الآخرين.
كانت تحتاج إلى معرفة الحقيقة بنفسها.
في الأيام التالية أصبح العمل أكثر ضغطًا، فالمشروع اقترب من مرحلته الحاسمة، وكان الجميع يعملون
لساعات طويلة، وخلال تلك الفترة بدأ سامي يلاحظ أن ماري أصبحت شاردة الذهن.
وفي إحدى الأمسيات، بعد انتهاء اجتماع طويل، قال لها:
"تعالي."
نظرت إليه باستغراب.
"إلى أين؟"
ابتسم.
"ستعرفين."
قادها إلى مكان مرتفع يطل على جزء كبير من لندن. كانت الأضواء تلمع في الأفق، والهواء البارد يملأ المكان.
وقفت بجواره بصمت.
قال سامي وهو ينظر إلى المدينة:
"عندما أكون تحت ضغط كبير، آتي إلى هنا."
ابتسمت بخفة.
"لم أتوقع أنك تملك مكانًا سريًا."
ضحك.
"كل شخص لديه مكان يهرب إليه."
ساد الصمت..ثم سألته:
"ومم تهرب أنت؟"
للمرة الأولى اختفت الابتسامة من وجهه، وبدا وكأنه يفكر بعمق..ثم قال:
"من الماضي."
شعرت بقشعريرة خفيفة، لأنها أدركت أن إجابته كانت صادقة تمامًا.
جلسا هناك لساعات، وتحدثا عن أشياء لم يتحدثا عنها من قبل، عن الخوف، والوحدة، والخيبات القديمة.
والأحلام التي لم تتحقق، ومع كل دقيقة تمر، كانت المسافة بينهما تختفي أكثر، حتى جاء وقت المغادرة.
وقف سامي أمامها، وكانت عيناها معلقتين بعينيه..لثوانٍ طويلة، دون أن ينطق أي منهما بكلمة.
شعرت ماري أن قلبها يخفق بقوة، وشعر سامي بالأمر نفسه، وكاد يقول شيئًا، شيئًا كان سيغير كل شيء.
لكن هاتف ماري رن فجأة، وتحطم السحر في لحظة.
في الأيام التالية أصبحت مشاعرهما أوضح. لم يعد أي منهما قادرًا على تجاهلها.
كان سامي يبحث عنها بعينيه في كل اجتماع، وكانت هي تبتسم تلقائيًا عندما تراه.
لكن الحقيقة التي تحيط بهما لم تكن قد انتهت بعد، بل كانت تقترب أكثر.
وفي إحدى الليالي حدث ما لم يكن في الحسبان. وصل إلى ماري ظرف مجهول، تمامًا مثل السابق.
لكن هذه المرة لم يكن يحتوي على صور فقط، بل على وثائق، ورسائل، وتسجيلات قديمة.
جلست تقرأ لساعات، وكل صفحة كانت تجعل قلبها يهبط أكثر، لأن الأدلة بدت حقيقية، وقوية، ومرعبة.
كل شيء كان يشير إلى سامي. كل شيء.
في صباح اليوم التالي واجهته.
دخلت مكتبه دون استئذان، وكان سامي يراجع بعض الملفات.
رفع رأسه مبتسمًا، لكن الابتسامة اختفت فورًا عندما رأى ملامحها.
ألقت الملف أمامه..وقالت:
"أخبرني الحقيقة."
نظر إلى الأوراق، ثم شحب وجهه، لأول مرة منذ عرفته شحب وجهه فعلًا.
قالت بغضب:
"هل كل هذا صحيح؟"
ظل صامتًا.
"أجبني!"
قبض سامي على الملف بقوة، وأغلق عينيه للحظة..ثم قال بصوت منخفض:
"من أين حصلتِ عليه؟"
"هذا ليس مهمًا."
رفعت صوتها.
"هل هو صحيح أم لا؟"
ساد الصمت..ثوانٍ طويلة ومؤلمة..ثم قال:
"بعضه صحيح."
شعرت وكأن الأرض اهتزت تحت قدميها.
"ماذا؟"
رفع رأسه نحوها، وكان الحزن واضحًا في عينيه.
"لكن ليس كما تعتقدين."
اقتربت منه بغضب.
"إذن اشرح!"
لكن سامي هز رأسه.
"لا أستطيع."
"لماذا؟"
"لأن هناك أشخاصًا آخرين سيتأذون."
كانت تلك أسوأ إجابة ممكنة، ففي نظرها بدا وكأنه يهرب، وكأنه يخفي الحقيقة، وكأنه مذنب.
خرجت من المكتب وهي تكاد تبكي، أما سامي فبقي واقفًا وحده..ينظر إلى الباب المغلق، وكأنه فقد شيئًا ثمينًا.
وفي تلك الليلة جلست ماري تراجع الوثائق مرة أخرى.
وهناك...في الصفحة الأخيرة...وجدت شيئًا لم تلاحظه من قبل. سطرًا صغيرًا، واسمًا واحدًا فقط.
لكن ذلك الاسم جعل أنفاسها تتوقف..ارتجفت أصابعها، وأعادت القراءة مرة أخرى "مستحيل."
لأن الاسم لم يكن اسم سامي، ولم يكن اسم جاك أوليفر، بل اسم شخص من عائلتها هي.
شخص مرتبط مباشرة بماضيها، وشخص يبدو أنه كان جزءًا من السر منذ البداية.
شعرت بالدوار، وهمست بصوت مرتجف:
"لا... هذا لا يمكن أن يكون صحيحًا."
وفي تلك اللحظة أدركت شيئًا مرعبًا. القصة لم تكن تتعلق بسامي فقط، بل كانت تتعلق بها هي أيضًا.
وربما...كانت مستهدفة منذ البداية دون أن تعرف.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.