لم تستطع ماري النوم تلك الليلة.
كانت مستلقية على سريرها تحدق في سقف غرفتها بينما تتردد كلمات سامي في رأسها مرارًا.
"إذا اكتشفت ما حدث في الماضي، فسيتدمر كل شيء."
ما الذي كان يتحدث عنه؟ ومن هي المرأة أو الشخص الذي لن يعرف الحقيقة؟ ولماذا بدا صوته محملاً
بذلك القدر من الألم؟
أغلقت عينيها، لكن فضولها كان أقوى من رغبتها في النوم.
في صباح اليوم التالي وصلت إلى الشركة مبكرًا.
كانت تنوي التركيز على العمل، لكن عقلها كان منشغلاً بشيء آخر تمامًا، سامي.
راقبته أثناء الاجتماع الصباحي. كان هادئًا كعادته، يتحدث بثقة، ويناقش الأرقام والخطط وكأن شيئًا لم يحدث.
لم يكن يبدو كرجل يخفي سرًا خطيرًا، وهذا ما جعل الأمر أكثر غرابة.
خلال استراحة الغداء، جلست مع إحدى زميلاتها المقربات وتدعى ستيفاني.
سألتها ماري بحذر:
"منذ متى تعرفين سامي؟"
رفعت ستيفاني حاجبيها.
"سامي؟ لماذا تسألين؟"
حاولت ماري أن تبدو طبيعية.
"مجرد فضول."
ابتسمت ستيفاني.
"في الحقيقة سمعت عنه قبل أن أراه. الجميع يتحدث عنه في عالم الأعمال."
"وكيف هو؟"
فكرت ستيفاني قليلاً..ثم قالت:
"غريب."
"غريب؟"
"نعم. بعض الناس يعشقونه. والبعض الآخر لا يطيقه."
"ولماذا؟"
"لأنه لا يسمح لأحد بالاقتراب منه كثيرًا."
شعرت ماري باهتمام أكبر.
"هل هو متكبر؟"
هزت ستيفاني رأسها.
"لا. هذه هي المشكلة. لو كان متكبرًا لفهمه الناس بسهولة. لكنه ليس كذلك."
"إذن؟"
تنهدت ستيفاني.
"يبدو وكأنه يحمل شيئًا ثقيلًا بداخله منذ سنوات."
تجمدت ماري للحظة..كانت تلك الجملة مطابقة تقريبًا لما شعرت به بنفسها.
في مساء ذلك اليوم اضطرت ماري وسامي إلى زيارة أحد المواقع السياحية المشاركة في المشروع.
استقلا سيارة الشركة معًا، وكانت الرحلة طويلة. في البداية ساد الصمت.
ثم قالت ماري فجأة:
"هل تكره الحديث عن نفسك؟"
نظر إليها سامي باستغراب.
"هذا سؤال غير متوقع."
ابتسمت.
"لكنني أريد إجابة."
فكر لثوانٍ..ثم قال:
"لا أكره الحديث عن نفسي."
"إذن لماذا لا تفعل ذلك؟"
نظر من النافذة.
"لأن معظم القصص لا تصبح أجمل عندما تُروى."
لم تعرف كيف ترد. كانت تلك واحدة من أكثر الإجابات غرابة التي سمعتها في حياتها.
لكنها شعرت أيضًا بأنها صادقة، بشكل مؤلم.
عندما وصلا إلى الموقع، كان المطر قد بدأ يهطل، فاضطر الجميع للبحث عن مكان يحتمون فيه، وبينما كانت
ماري تركض فوق الرصيف المبلل، انزلقت قدمها فجأة، أطلقت صرخة قصيرة، لكنها لم تسقط، لأن يدًا قوية
أمسكت بها قبل أن ترتطم بالأرض.
رفعت رأسها..كان سامي..وقف ممسكًا بذراعها، وعيناه مليئتان بالقلق.
"هل أنتِ بخير؟"
تسارعت دقات قلبها..ليس بسبب السقوط، بل بسبب الطريقة التي نظر بها إليها.
أبعدت نظرها بسرعة، وقالت:
"أنا بخير."
ترك ذراعها فورًا، لكن ذلك الشعور الغريب بقي معها طوال اليوم.
بعد انتهاء الجولة، قرر الفريق تناول العشاء في مطعم صغير قريب من النهر.
جلس الجميع حول طاولة طويلة، وبين الضحكات والأحاديث، بدأ سامي يبدو مختلفًا.
أكثر راحة، وأقل رسمية.
للمرة الأولى رأته يضحك بصوت مرتفع، ورأته يمزح مع الآخرين.
بل حتى أنه روى قصة مضحكة عن إحدى رحلاته القديمة.
شعرت ماري بالدهشة. هذا الرجل لا يشبه الصورة الباردة التي رسمتها له في البداية.
بل لا يشبه الصورة التي يحاول هو نفسه إظهارها للعالم.
كان هناك شخص آخر خلف ذلك القناع. شخص أكثر دفئًا، وأكثر إنسانية.
في طريق العودة، حدث ما لم تكن تتوقعه.
توقفت السيارة أمام إشارة مرور، وعلى الرصيف المقابل رأت سامي فجأة يطلب من السائق التوقف.
نزل بسرعة، واتجه نحو امرأة مسنة كانت تحاول عبور الشارع تحت المطر، وأمسك بمظلتها.
وساعدها حتى وصلت إلى الجهة الأخرى، ثم عاد إلى السيارة وكأن شيئًا لم يحدث.
لم يكن يعلم أن ماري كانت تراقبه طوال الوقت، ولم يكن يعلم أن شيئًا داخلها بدأ يتغير.
في الأيام التالية أصبحت تفكر فيه أكثر مما ينبغي، وكان هذا يزعجها.
كلما تذكرت ابتسامته، غضبت من نفسها، وكلما تذكرت لطفه، حاولت إقناع نفسها بأن الأمر لا يعني شيئًا.
لكن الحقيقة كانت واضحة. سامي لم يعد مجرد شريك عمل، وأصبحت معرفة حقيقته مهمة بالنسبة لها أكثر مما يجب.
وفي مساء أحد الأيام، كانت ترتب بعض الملفات القديمة داخل أرشيف الشركة.
بحثًا عن مستندات تتعلق بالمشروع، ففتحت صندوقًا قديمًا مليئًا بالوثائق والصور.
وبين الأوراق سقطت صورة على الأرض، فانحنت لالتقاطها، لكنها تجمدت في مكانها.
حدقت في الصورة، مرة، ثم مرتين..كان سامي موجودًا فيها، لكن هذا لم يكن ما صدمها.
الشخص الآخر في الصورة هو الذي جعل الدم يتجمد في عروقها، رجل كانت تعرفه جيدًا.
رجل سمعت اسمه طوال طفولتها، رجل مرتبط مباشرة بماضي عائلتها.
ارتجفت أصابعها، وهمست بصوت بالكاد سمعته هي نفسها:
"مستحيل..."
رفعت الصورة مرة أخرى، وأخذت تحدق في وجه سامي، ثم في وجه الرجل الآخر.
سؤال واحد فقط كان يصرخ داخل رأسها "ما علاقة سامي بهذا الشخص؟ ولماذا لم يخبرها أحد بذلك من قبل؟"
بينما كانت الصدمة تسيطر عليها، لم تكن تعلم أن هذا الاكتشاف سيكون بداية سلسلة من الأسرار التي ستغير حياتها
إلى الأبد.