SalmaHamdy1

شارك على مواقع التواصل

بدأت أشعر ان جدران المكتب باتت تضيق عليّ مع كل تكة يعلنها عقرب الساعة... لذلك خرجت فعاد التفكير بي مجددا الى براء..
اين هو؟ هل تأخر؟ ام انني فقط مللت من مراقبة الساعة كل دقيقة؟.
وضعت سماعة الايربودز مقررا تخفيف ذاك التوتر قليلا.. حل الصمت للحظات ثم بدأت كلمات الأغنية تفك حبل الضيق الذي يربط على قلبي...

~متوحشنيش~
~عشان النبض جوا القلب ميوجعنيش~
~عشان أضطر أعيش بكرا وميفوتنيش~

الصمت يلف من حولي عدا صوت خطواتي في الممر الخافت الإضاءة وصوت الأغنية في أذناي.. قادتني قدماي بتلقائية نحو المشرحة فالطريق ليس غريبا علي...
دفعت الباب ودخلت، فاستقبلتني رائحة المطهرات وبرودة المكان. كانت الدكتورة نيفين لا تزال ترتدي الملابس الواقية، ظهرها منحني.. ومنكبة على عملها بتركيز. أصدرت صوتا خفيفا كي لا يفزعها ظهوري المفاجئ، ثم اقتربت.
وضعت يداي في جيباي والقيت نظرة لما تفعله على الجثة الهامدة والمستقرة على الطاولة المعدنية أمامها.
"دكتورة، التقرير خلص؟"
"لسة، التقرير مش بيبقى زي المعاينة يا رائد"
"اكيد طبعا بس مش حيبقى في مشكلة لو كان في سرعة"
"بس السرعة ممكن تؤدي ان حد بريء يتسجن"
ساد الصمت للحظات فكسرته الدكتورة نيفين قائلة : "الدقة أهم يا رائد"
زفرت مدركا الحقيقة، وهي ان كلامها هنا صحيح...
ابتعدت خطوتان ودارت عيناي في أرجاء المكان..
الصمت ثقيل لدرجة مقيتة او ربما الفراغ في صدري اصبح كبيرا فجأة...
لكن رأسي خفّ فجأة وكأن الأرض سحبت من تحتي. استندت الى حافة الطاولة المعدنية، متراجعا للخلف.  سرت وانا بالكاد احاول ان احافظ على اتزاني. جلست على الكرسي في زاوية الغرفة الفسيحة لأهدأ. وما ان استقررت حتى صعقني صداعي مجددا كرعد ضرب الارض بلا مقدمات. دلكت صدغاي ببطء ولكن الالم بدأ ينتشر على كلا جفناي... ضغط ثقيل كأن رأسي تُغلق من الداخل. صوت احتكاك كوب زجاجي على الطاولة أمامي، رفعت نظري فكانت الدكتورة وضعت كوب ماء فاتر أمامي للتو.
لم تقل شيئا... فقط رمقتني بنظرتها الحادة كالعادة ثم ابتعدت لتكمل عملها، لكني لمحت ليونة خفية في عينيها خلف نظارتها الطبية التي ترتديها تلك. أمسكت الكوب لكنني اكتشفت رعشة خفيفة في أصابعي! حينها ظللت أحدق بأصابعي للحظات وكأنني أول مرة أرها.. وكأن القلب نقل مكانه لينبض داخل عقلي..
أغمضت عيني للحظات ثم فتحتها مجددا على صوتها تقول :
"اشرب"
لم يكن في النبرة أمرا ولا حدة، شيء ما.... لكن عقلي لم يتح لي المزيد من التفكير فالصداع اقوى. وكأن ضريبة التفكير هو الالم الذي يطرق كالمطرقة..
اخذت رشفة... و وحدها كانت كفيلة لفتح باب قديم كنت قد تجاهلته. فطعم المياه كان مألوفا بشكل مريب... تماما كما كان يومها..
تذكرت أول مرة حينما قابلت الدكتورة نيفين في هذه المشرحة. اظن انها قد قاربت على ان تتم أول سنة لها في العمل هنا. حينها ايضا كنت مجهد بشدة، وحدث سوء فهم بسيط بيننا. لكن في النهاية قامت هي باصلاح غلطتها بينما دفعت انا ثمن هذا في ان تم قصقصة القليل من شعري حينما جُرحت ولُفّ الشاش حول رأسي...
من يومها وأصبحت نيفين أكثر من مجرد دكتورة..
فهي أصبحت الشخص الوحيد الذي يراني واقعا امامها في المشرحة تقريبا و أغلب المرات من الاجهاد!.
ورغم كل هذا.. عقلي لم يكف عن الرجوع الى براء...
0 تصويتات

اترك تعليق

التعليقات

اكتب وانشر كتبك ورواياتك الأصلية الأن ، من هنا.