حلّ الليل مجدداً على موسكو. تراكم الثلج بهدوء على الشوارع، مغطياً المدينة بحجاب أبيض صامت.
من الخارج، بدا كل شيء هادئاً. لكن في أعماق الأرض، في الحجرة الخفية أسفل المدينة، كان شيء قديم يستيقظ.
نبضت الشفرة الخضراء ببطء في الظلام، وانعكس وهجها الأحمر على الجدران الحجرية كقلب نابض.
داخل غرفة المراقبة الآمنة المطلة على الحجرة، جلست ايرينا فلاديميرفنا وحيدة.
أو على الأقل، كان من المفترض أن تكون وحيدة.
أمر الجنرال أليكسي سميرنوف العلماء بتعليق التجارب بعد الهجوم الذي وقع في وقت سابق من ذلك اليوم. كانت المنشأة في حالة تأهب قصوى، وقامت فرق أمنية إضافية بإغلاق جميع مداخل الطوابق السفلية.
لكن الكرة الحمراء لم تسكت..كانت تناديها مجدداً، بهدوء، وبصبر، وفي النهاية، عادت.
وقفت ايرينا وسارت نحو النافذة الزجاجية المقواة التي تفصل غرفة التحكم عن الحجرة القديمة في الأسفل.
كانت الشفرة الخضراء تطفو في مكانها المعتاد. صامتة. منتظرة.
لكن ما إن وقعت عيناها عليها حتى عاد ذلك الضغط المألوف إلى عقلها.
همسة لامست أفكارها..لقد أتيتِ.
أغمضت عينيها للحظة.
همست قائلة: "نعم".
لم يعد الصوت يُخيفها..ليس تمامًا، لكنه ما زال يُشعرها... بالرهبة.
سألت بهدوء: "ما أنتِ؟".
لثوانٍ معدودة، ساد الصمت.
ثم جاء الرد، هادئًا وقديمًا، "أنا جزء مما كان.".
عبست ايرينا قليلًا.
"جزء من ماذا؟".
ازداد التوهج الأحمر المنبعث من الكرة، "من حضارة نسيها عالمكم."
ومضت الصور فجأة في ذهنها من جديد..مدنٌ شاسعة..أبراجٌ شاهقةٌ تمتدّ نحو السماء.
آلاتٌ لم يسبق للبشرية أن بنت مثلها، وطاقةٌ تتدفق في الهواء كأنهارٍ من نور.
وبشر. ليسوا فضائيين، بشر ولكنهم أكثر تطورًا..أكثر قوة.
همست ايرينا: "هل كانوا بشرًا؟"
"كانوا أسلافك."
خفق قلبها بشدة، "هذا مستحيل."
"تاريخك غير مكتمل."
تراءت أمامها رؤى أخرى.
حضارةٌ عالمية، مترابطةٌ بشبكاتٍ من التكنولوجيا القديمة.. صواريخ نووية.
مئاتٌ منها..مخبأةٌ في أرجاء الكوكب..كلٌ منها جزءٌ من نظامٍ هائل.نظامٌ مصممٌ لتوجيه العالم.
للتأثير على الأحداث. للحفاظ على التوازن. ولكن بعد ذلك...كارثة، حرب. مدنٌ تحترق.
الشبكة تنهار. الصواريخ النووية مدفونة لحمايتها. ومعارف تلك الحضارة ضائعة تحت عشرات السنين.
شهقت ايرينا بخفوت مع تلاشي الصور.
"إذن، كانت الشفرة... جزءًا من ذلك النظام؟"
"نعم."
"ما كان غرضها؟"
جاء الجواب ببطء.
"المراقبة. التوجيه. وعند الضرورة... التصحيح."
اتكأت ايرينا على وحدة التحكم بجانب النافذة.
"هذا يبدو كتحكم."
لم ينكر الصوت ذلك.
"التوجيه والتحكم غالبًا ما يكونان وجهين لعملة واحدة."
نظرت إلى الغرفة مجددًا.
كانت الكرة تحوم في صمت.
"إذن، لماذا اتصلت بي؟"
صمتٌ آخر.
ثم... "لأن النظام معطل."
شعرت ايرينا بقشعريرة.
"ماذا تقصد؟"
استيقظت الكرات الحمراء الأخرى.
اتسعت عيناها، "ماذا؟"
ازداد الصوت قتامة.
"ليس كل من يسعى إليها يرغب في قيادة العالم.".
في تلك اللحظة، انفتح الباب خلفها، فاستدارت ايرينا بسرعة.
دخل الجنرال أليكسي سميرنوف الغرفة.
بدا عليه التعب لكنه كان متيقظًا.
قال: "لا ينبغي أن تكوني هنا وحدكِ".
تأملته ايرينا مليًا.
"كنتُ بحاجة إلى إجابات".
"وهل حصلتَ عليها؟"
ترددت.
"نعم".
سار سميرنوف بجانبها ونظر عبر النافذة الزجاجية نحو الغرفة.
"الكرات الحمراء نشطة مجددًا".
"نعم".
"ماذا أخبرتكِ؟"
أخذت ايرينا نفسًا عميقًا.
"هناك المزيد من الكرات الحمراء".
ضاقت عينا سميرنوف قليلًا.
"كنا نشك في ذلك".
"لكنها تُفعّل".
لفت ذلك انتباهه.
"كم عددهم؟"
"العشرات."
صمت الجنرال لثوانٍ معدودة، ثم سأل بهدوء:
"من يعلم أيضًا؟"
"مجلس النسر."
تغيرت ملامح سميرنوف فجأة.
"إذن كانت الشائعات صحيحة."
"هل كنتَ تعلم بوجودهم؟"
"مجرد شذرات،" قال.
"قصصٌ في أرشيفات الاستخبارات. منظمة سرية تُحرك أحداث العالم من وراء الكواليس."
عقدت ايرينا ذراعيها.
"لقد هاجمونا اليوم."
"نعم."
"وسيعودون مجددًا."
أومأ سميرنوف ببطء، "لا شك لدي."
نظر مجددًا إلى الكرة المتوهجة.
"إذا كانت هذه الكرات الحمراء تُشكل شبكة عالمية حقًا..فإن من يُسيطر عليها يُسيطر على المستقبل."
لم تُجب ايرينا، لأن هذا بالضبط ما أراه لها الشفرة..مستقبلات محتملة..آلاف منها..بعضها سلمي.
والكثير منها كارثي.
أغمضت عينيها للحظة..عاد الهمس على الفور.
"بدأتِ ترين."
انخفض صوتها إلى همس.
"ترين ماذا؟"
فجأة..تذبذبت أضواء الغرفة.
توهجت الشفرة الخضراء بضوء قرمزي ساطع.
تجمد جسد ايرينا..اندفعت رؤية أخرى إلى ذهنها، لكن هذه المرة كانت أقوى بكثير من ذي قبل.
رأت مدنًا في أنحاء العالم. برلين. طوكيو. نيويورك. موسكو. وفوقهم حرب.
صواريخ تُطلق، وأقمار صناعية تسقط من مداراتها..حكومات تنهار. اقتصادات بأكملها تنهار في غضون أيام.
فوضى تعمّ الكوكب، ثم ظهرت صورة أخيرة..غرفة سرية..أكبر بكثير من تلك التي تحت موسكو.
في مركزها وقفت عدة شخصيات مُغطاة بالظلام..وجوههم مخفية، وأمامهم… كرات حمراء أخرى.
أكبر..أقوى..متوهجة بالفعل.
تردد صدى صوت من الظلال.
"لقد بدأ الاستيقاظ."
تبددت الرؤية.
سقطت ايرينا على ركبة واحدة، تتنفس بصعوبة.
أمسك سميرنوف بكتفها.
"ماذا رأيتِ؟"
رفعت رأسها ببطء، وامتلأت عيناها بالخوف.
"مجلس النسر..."
"أجل؟"
"لديهم واحد بالفعل."
ساد الصمت في الغرفة.
لأن ذلك يعني أن السباق قد بدأ بالفعل..سباقٌ للسيطرة على الشبكة القديمة.
ومن يفوز...سيتحكم بمصير العالم بأسره.
في أعماق الغرفة، نبضت الشفرة الخضراء من جديد، وكأنها تؤكد ما رأته ايرينا للتو.
المستقبل يتحرك، واللعبة لم تبدأ إلا للتو.