عقلي يدور وكما لو أنني تحت الماء!. الأرض تميل من تحتي و الوشوش تداخل في بعضها البعض. أصطففت سيارتي تحت شجرة عتيقة ذات أغصان متينة وجذورها ثابتة منذ الملايين امام ساحة القسم..
دخلته من الباب الخلفي كي أتجنب أنظار الضباط والعساكر فأنا لا أريد أسئلة ولا أريد ان أدخل في تحقيقات. الممر هادئ كالعادة لكني كنت أرى قدماي تضاعف صورتها لأربعة. وضعت يدي بتلقائية على موضع الجرح في خاصرتي وضغطت برفق وكأنني أريد تسكين ألم غير مرئي. صوت خطوات بعيدة فرفعت رأسي لأرى فوجدت الرؤية مغبشة وكما لو أنني أنظر من خلف عدسات مضببة. لم أكن أعلم أنها دموعي التي ملأت عيناي دون إدراك مني. مسحت الدموع بسرعة وبخشونة وكأنه أمرٌ محرم. كان الواقف أمامي على بعد أمتار هو اسر!... معه شادي ويبدوا انهما كانا يتناقشان في أمر ما.
تسمر الاثنان مكانهما وكأنهما رأيا شبحا للتو.. توقفت وضاقت حدقة عيني للحظات قبل ان يستقر نظري على اسر. ركض اسر نحوي هلعا وصاح في ذات الوقت بنبرة حادة آمره :
"براء!"
اقترب نحوي ثم أمسك بذراعي برفق، لم أبتعد... فقط خفضت نظري مستشعرا رجفة يده على ذراعي.
علا صوته فاضحا توتره وقال : "براء! ايه اللي حصل؟ مين عمل كدا؟"
بدأ يتحسس بأنامله الشاش على رأسي فقلت بصوت خرج مبحوحا وضعيفا لدرجة انني لم أتعرف عليه! :
"اسر متقلقش الموضوع بسيط.."
احمّر وجهه غضبا ولمحت يده الأخرى تكوّر قبضة قاصمة وقال : "بسيط ايه يا براء؟.. انت بتنزف!"
ثم نزل بنظره للاسفل نحو خاصرتي التي قد تشرب قماش قميصي الجديد اللون القاني فقلت :
"خربوش بسيط"
اقترب شادي الذي كان متسمرا مكانه نحونا، لمحت التركيز في عينيه ثم قال بهدوء بارد :
"الموضوع خطير، لازم يرتاح بسرعة"
دفعني اسر برفق نحو غرفة اسعافات قديمة نستخدمها في اصابات العمل البسيطة قائلا بذات الوقت :
"براء انت هتقول دلوقتي انت رحت فين ومين عمل فيك كدا؟!"
دخلنا الغرفة ولوهلة كدت أتعثر حينما شعرت ان الرؤية أمامي اهتزت للحظات. أغلق شادي الباب بهدوء بينما دفعني آسر نحو السرير الذي كان مستقرا في زاوية الغرفة. شعرت بحدة دفعته وما ان رفعت نظري نحوه حتى لمحت الضيق في حدقتيه وفقدان اللمعة من زرقاوتيه. كان ملمس يده دافئ ومتعرقه قليلا. التفت اسر نحو شادي وقال :
"جيب دكتو......"
قبل ان يكمل جملته قاطعته قائلا :
"اسر... مفيش داعي..."
رمقني بحدة تقول بكل صراحة : "اخرس"
ابتلعت لساني فاقترب و وضع يديه المرتجفتين في جيبيه ثم قال :
"خلاص، بس هتقولي مين عمل كدا فيك يا براء"
لحظات من الصمت مرت... كدت أفتح فمي لكن سرعان ما تراجعت حينما شعرت ان مصابيح السقف تتداخل وانه سيهبط علينا فجأة. لم أشعر بنفسي إلا حينما استقبلت حواسي لمسة يد اسر على جبيني...
سرعان ما أبعد يده وكانه لمس جمرا..
"مولع!" همسها اسر لكني شعرت ان صوته بات بعيدا.
"براء"
لا أدري ولكني أشعر اني غارق في عمق المحيط! او كأنما هناك حاجز غيرى مرئي بيني وبينهم!.
"الجرح بدأ يلتهب يا اسر، ممكن تكون عدوى!"
كان ذاك صوت شادي، قال كلامه بجدية خالية من السخرية.
تراجع اسر خطوات للخلف، اتسعت عيناه هامسا : "يعني ايه؟"
اجاب شادي : "يعني الوقت مش في صالحنا"
حركت شفتاي عدة مرات وكأنني استعدي صوتي..
تمتمت قبل ان تبدأ الدنيا تسود امامي..
"ن...نبيل.."
الصمت دب الغرفة كرعد ضرب بيت معتم أضاء نوافذه للحظة ثم عاد لما كان. تجمد آسر في مكانه بمجرد سماعه للاسم..
فالاسم وحده كافي لإسترجاع ذكريات مغلقة من الماضي الاسود.
اقترب اسر لكن ملامحه كانت مشوشة.. مال عليّ وبيده مررها بخفة من على وجهي. لم أتكلم وبالتدريج بدأت قبضتي التي كانت ممسكة بشرشف السرير ترتخي ببطء. كان يتحدث، لكن صوته ضعيف جدا... هل يبكي؟.. لا اعلم..
أصواتهم تتباعد والرؤية تداخلت حتى بدت الصورة تذوب أمامي.
اغمضت عيني للحظات وآخر ما سمعته هو صوت شادي يقول :
"لازم نبص على الجرح"
اقترب ظله مني، لم أقاوم كما لو انني جثة هامدة امامهما. ازدادت الحرارة في الجو.. او ربما حرارتي.. ولكني اخيرا سلمت وعيي للمجهول بعدما اسودت الرؤية امامي...
●●●
وفجأة استيقظت.. تماما كما لو انني خرجت من بئر ماء عميقة.
لا أعرف كم مر من الوقت.
ارتجف جفناي قبل ان أفتحهما ثم بدأت الرؤية تدريجيا تتضح امامي. واول ما شعرت به هو الالم الذي باغتني في خصري. ويد احد ما متشابكة في يدي. دارت عيناي في ارجاء المكان فلمحت اسر جالس بجواري، عينيه حمراوتين من كبح البكاء وشعره الأشقر مبعثر بالكامل. كان شاحب الوجه لدرجة ان بعض عروقه كانت واضحة للنظر، تركيزه مشتت فقد كان يحدق بالفراغ. أغمضت عيني للحظات مستشعرا الأمان بوجوده جواري وعلى شفتي ارتسمت ابتسامة ضعيفة، لم تستمر سوى للحظات. إلتفت ليدي فقد كانت تؤلمني و وجدت آثار الحقن عليها. كان اسر لا تزال يده متشابكة بيدي وكأنه يخشى ان أطير..
إلتفت نحو الواقف عند الباب.
كان شادي، على وجهه ابتسامة خفيفة ونظرة ثاقبة تكاد تستشعرها خلاياي.
و اللواء حسام...
ليس لواء وفقط... هو ابونا الروحي الثاني. كان يقف بزيه الرسمي يستند الى الجدار. وقفته العسكرية المهيبة ونظرته حادة التركيز علي.
اصواتهم لا تزال بعيدة.. اقترب الدكتور على وجهه ابتسامة حانية وقال :
"الحمدلله على السلامة يا رائد براء"
أغمضت عيني للحظة وقلت : "ايه اللي حصل؟"
كان صوتي خافتا أقرب للهمس اكثر مما يجب، او ربما لجفاف شفتاي فخشيت جرحهما.
ابتسم الدكتور وقال : "فقدت الوعي وعندك جرح في خصرك مش عميق أوي لكنه كان داخل على مرحلة التهاب"
اشتدت قبضة اسر على يدي، اقترب شادي من حافة السرير قائلا :
"خوفتنا عليك يا جدع، سلامات.."
أومأت بالايجاب مبتسما ابتسامة صغيرة متعبة.
زفر اللواء ثم اقترب، لاحظت انخفاض كتفيه وكأن أحمالا انهالت من عليهما وقال :
"الحمدلله على السلامة يا ابني، اسر قالي وشكلك يا براء لسة بتحب تغامر.... في حد يروح مكان زي دا لوحده؟"
شعرت ان الدم يتصاعد لوجهي، اغمضت عيني للحظة ثم قلت : "انا اسف يا حضرة اللواء اصل...."
قاطعني رافعا كفه في الهواء وقال :
"خلاص يا براء اللي حصل حصل بس يا ريت ما يتكرر تاني لانك كنت اخر واحد اتوقع منه كدا"
"انا اسف.."
أومأ اللواء وقال : "المهم انك كويس دلوقتي، احنا بدأنا البحث في نطاق واسع على نبيل دا"
صمت اللواء للحظات ثم أردف : "واضح انه ماضي مش عاوز يخلص"
زفرت ببطء مستشعرا الطمأنينة لوجودهم حولي هكذا..
واقفين وصامدين تماما كالجسد الواحد... اذا اشتكى منه عضوا تداعى له باقي سائر الأعضاء..
رتب الدكتور بقية الاوراق على الطاولة ثم بعض أدواته و قال :
"الف سلامة، هيحتاج راحة يوم يومين عشان يرجع احسن ويرجع يشتغل"
إلتفت اللواء نحو الدكتور وقال بابتسامة خفيفة :
"شكرا يا دكتور"
●●●
بعدما رحل الجميع ظللت انا واسر وحدنا مجددا في الغرفة. طيلة الوقت منذ استيقاظي واسر لم ينظر في عيني او لم يتفوه بكلمة!.
هل هو غاضب؟.. حزين؟... لا اعلم!.
قطع صمت الغرفة الثقيل فجأة وقال :
"غبي.. غبي يا براء...اغبى واحد شفته في حياتي"
ابتسمت وهمست قائلا :
"عارف، ولعلمك الصحاب الكويسيين اللي بيكون بينهم تناقضات وعشان كدا انت ذكي"
ابتسم مرغما بمرارة خفية، لمعت عينيه فتجنب النظر لعيني وقال بحدة مصطنعة :
"اسكت"
"طيب"
أجبتها ببساطة.. مرت لحظات الصمت.. لكن يده لم تفارق يدي بعد. سرعان ما عاد نظره نحوي لكنها كانت مركزة فتأهبت حواسي مدركا ان القادم سيحتاج للجدية...
"براء.... شادي أخد الإذن وراح فتش بيت رضا الدكروري"
شدّ جسدي للحظة وقلت بحذر :
"هو المشتبه به الرئيسي في القضية"
أومأ وقال : "صح، ولاقينا السلم اللي استخدمه والملابس اللى كان لابسها في الفيديو طلعت تخصه وبعض المفكات"
همست مكررا : "رضا.."
نهض آسر من كرسييه مديرا لي ظهره، ابتعد خطوات ثم قال مؤكدا :
"ايوه، لذلك شد حيلك عشان لما نطلع بأمر القبض عليه.. تبقى جاهز.."