في قصر صيدا، حيث يمتزجُ هدير البحر بذكريات الطفولة، كانت العائلة تعيشُ أيامها الأخيرة تحت غطاءٍ من السعادة المضللة؛ هدوءٌ زائف كان يسبقُ عاصفةً ستقتلعُ كل الأمان.
وفي ضحى يومٍ مشؤوم، أطلّ عمُّ وتين بوجهه الذي لم يكن يحمل سوى الودّ الظاهري، وبرفقته امرأة تُدعى "سعاد". قدمها للعائلة كمسكينةٍ تقطعت بها السبل، امرأةٍ محتاجةٍ تلوذُ بظلهم وتطلبُ العمل لديهم. وعلى الرغم من أن وتين كانت لا تزال في ريعان شبابها، إلا أن قلبها الذي تربى على "الجمال الخفي" لم ينخدع بالقشور؛ فثمة حسٌّ داخليٌّ قويّ، كأنه نبوءةٌ صامتة، جعلها تنفرُ من سعاد منذ اللحظة الأولى.
كانت عينا سعاد تحملان بريقاً غريباً، ليس بريق الحاجة أو الانكسار، بل كان بريقاً حاداً يشي بأطماعٍ دفينة وروحٍ لا تعرفُ الصفاء. ولكن، كيف للشك أن يجد طريقاً لقلب والدة وتين؟ تلك السيدة التي كانت مثالاً حيّاً للطيب الكويتي والكرم الأصيل، لم ترَ في سعاد سوى بابٍ للأجر، ففتحت لها أبواب القصر وقلبها، ووافقت على الفور دون أن تدرك أنها سمحت لـ "الأفعى" بالدخول إلى مخدعها.
رحيلُ النقاء ووسادةُ الغدر
عندما دفعت وتين باب الغرفة، لم تكن تعلم أنها تفتح بوابة جحيمها الشخصي. في تلك اللحظة، تجمدت الدماء في عروقها، وتوقفت الأرض عن الدوران؛ كان عمها وسعاد يقفان كشيطانين يحفّان سرير والدتها الضعيفة. وفي يد سعاد، كانت تلك "الوسادة" التي لم تعد أداةً للراحة، بل سلاحاً للموت.
وقبل أن تطلق وتين صرخة الاستغاثة التي احتبست في حنجرتها، كان عمها قد انقضّ عليها بوحشيةٍ لا تعرف صلة الرحم. كبل ذراعيها بقبضتيه الفولاذيتين، وكمم فمها بكفّه القاسية، مانعاً عنها حتى حق الصراخ. وجدت وتين نفسها مجبرةً على مشاهدة أبشع مشهدٍ قد تقع عليه عين ابنة؛ رأت سعاد وهي تضغط بالوسادة على وجه والدتها ببطءٍ وبرودٍ ووحشيةٍ تقشعر لها الأبدان. كانت أنفاس الأم تخبو، بينما كانت عينا وتين تفيضان بدموع العجز والقهر، وهي تشاهد روحها التي تخرج مع كل نبضةٍ تخفت في جسد والدتها.
في تلك اللحظة السوداء، لم ترحل الأم وحدها، بل تحطمت "وتين المرحة" إلى ألف شظيةٍ لا يمكن ترميمها. سكن الضجيج في داخلها، وحلّ مكانه صمتٌ ثقيل، وحزنٌ مطبق غلّف روحها بوشاحٍ من الجمود. كانت تدرك، بذكائها الذي صقله الألم، أن أحداً لن يصدق روايتها ضد عمها في ظل غياب الدليل المادي، فقررت في تلك اللحظة المفصلية أن يكون "الصمت" هو سلاحها الأمضى، وأن تخفي وراء هدوئها بركاناً ينتظر لحظة الانفجار.