albirinsisahqamar

Share to Social Media

بينما كانت السيارة تشق طريق العودة، ساد صمتٌ ثقيل، ليس كهدوء المقابر، بل كصمت الوداع. نظرت وتين إلى الأفق البعيد، وشعرت أن كل القيود التي كانت تربطها بهذا المكان قد تكسرت؛ استردت حق والدها، واقتصت لأمها، وأمنت مستقبل أحمد. التفتت إلى مشعل وقالت بنبرةٍ باردة وخالية من أي تعبير، وكأنها تقتلع قلبها من مكانه:
"مشعل.. مهمتي هنا انتهت. أنا سأسافر الآن، وسأترك لك كل شيء. أرجوك، جهّز أوراق الطلاق في أسرع وقت.. ولن أطلب منك شيئاً، لا مالاً ولا أملاكاً، فقد استعدتُ ما يكفيني."

نزل الخبر على مشعل كالصاعقة. كان يتوقع أن يبدآ صفحة جديدة، أن يكون هذا الانتصار جسراً يجمعهما، لكنه وجد نفسه أمام امرأة قررت الرحيل وهي في قمة قوتها. لم يستطع النظر في عينيها، قبض على مقود السيارة بقوة حتى ابيضت مفاصله، ورد بصوتٍ مهزوزٍ، ممزوجٍ بـ "عاطفة جياشة" يحاول خنقها:
"أكيد.. هذا الذي سيحدث. لم أتوقع منكِ غير ذلك."

كانت كلماته تحملُ عتاباً مريرًا، وكأنه يقول لها: "أهذا جزاء كل ما مررنا به؟". لكن كبرياء الفارس منعه من التوسل إليها لتبقى. أما وتين، فقد أغمضت عينيها، وهي لا تعلم أن رحيلها هذا هو "الاختبار الأخير" لقلب مشعل، فهل سيتركها ترحل بـ "هدوء"؟ أم أن سر "حب الطفولة" سيتفجر قبل أن تغادر عتبة المطار؟
البحثُ عن الحقيقة.. والقلمُ المفقود
جلس مشعل في مكتبه، والصمت يطبق على المكان إلا من صوت دقات قلبه المتسارعة. مدّ يده المرتجفة نحو درج مكتبه ليخرج القلم ويوقع على أوراق الطلاق، وينهي هذا الفصل المؤلم من حياته. بحث في الدرج الأول.. ثم الثاني.. قلب الأوراق رأساً على عقب، لكنه لم يجده.
توقف مشعل، وشعر بوخزة في ذاكرته. هذا القلم ليس كغيره؛ إنه القلم الذي كان يرافقه دائماً، القلم الذي يحمل سراً لا يعرفه أحد غيره. بدأ يبحث بجنون في أرجاء الغرفة، يفتش في ستراته القديمة، وفي حقيبة سفره، وهو يتمتم بضيق:
"أين ذهب؟ لا يمكن أن يضيع الآن.. ليس في هذه اللحظة!"

كان مشعل، الذي فقد شغفه بكل شيء، يجد نفسه الآن يطارد "قلمًا". لم يكن يدرك في تلك اللحظة أن وتين، التي سافرت إلى فرنسا، هي التي قد تكون المفتاح لهذا اللغز. فذاك الفتى الوفي الذي كان عليه في صباه، كان قد خبأ في هذا القلم ذكرى لا تقدر بثمن، ذكرى تربطه بطفولته، وبحب حياته الذي ظن أنه رحل للأبد.
بدأ الشك يتسلل إلى عقله: هل أخذته وتين؟ ولماذا؟ هل كانت تعرف قيمته لديه؟ أم أنها سرقته لتمنعه من التوقيع؟
وقف مشعل في منتصف الغرفة، وبدلاً من أن يفكر في أوراق الطلاق، أصبح تفكيره كله منحصرًا في ذلك القلم. شعر بأن رحيل وتين واختفاء القلم ليسا مجرد صدفة، بل هما "إشارة" من القدر تخبره بأن القصة لم تنتهِ بعد، وأن الحقيقة التي يبحث عنها ليست في الأوراق، بل في ذلك القلم الذي غادر مع "الملكة" إلى باريس.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.