SalmaHamdy1

Share to Social Media

رواية : قضية الساعة الرابعة والنصف
سلسلة : رجال خلف العدالة - مغامرات التحقيق والإنسانية خلف الكواليس
الكاتبة : سلمى محمد
الفصل : ١



ྀིྀི◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡ྀིྀི

مرت خمسة شهور تقريبا على عمليتي وتعافيّ التام.. ولقد اشتقت ان أسرد لكم الأحداث من جديد...

في البداية ان كل ما حدث خلال هذه الشهور هو أنني ظللت أقضيها في المنزل لأتم مرحلة النقاهة، فأما بالنسبة لإياد فهو سافر مرة أخرى الى شركته قبل شهرين.

والخبر السار الذي لا شك انه سيسعدكم كما أسعدني هو انني -بالإضافة الى براء أيضا- حصلنا على الترقية في عملنا الى رتبة رائد...

الآن انا مع والدتي الاستاذة صفاء في عزومة في منزل صديقتها الاستاذة منال والدة صديق طفولتي "براء".

وقف براء أمام شاشة التلفاز، يرتدي ترنج منزلي مريح بسيط وأنيق كعادته، شعره لا يزال مبللا من الاستحمام.

يمسك الريموت بيده اليمنى يقلب بتركيز أمام الشاشة كطفل ينتظر عرض قناته المفضلة..

صاح : "ماما عاوزين أجيب ايه؟"
خرجت طنط منال بمريولها المتسخ من دقيق العجين.

كان شعرها الطويل تلفه في كحكة ولم تنجو خصلات شعرها السوداء من اللون الأبيض كوالدتي، كانت ترتدي عبائه فضفاضة. وترتدي نظارتها الطبية.

"اي حاجة تحسس العيال بفرحة العيد"
"القنوات خربانة"

عادت طنط منال الى المطبخ مجددا حينما نادتها والدتي لتأتي وتستكمل خبز التورتة.

وضع براء التلفاز على أول قناة كانت تعرض القران وتكبيرات العيد.

"الله اكبر، الله اكبر، لا اله الا الله، الله اكبر، الله اكبر ولله الحمد، الله اكبر كبيرا، والحمدلله كثيرا...................."

ابتسمت في نفسي، هذه هي عادتنا من صغرنا، ان نأتي منزل طنط منال يوم عيد الفطر والأضحى، على العزومة المعتادة، لحم الخروف وكبسة وملوخية وسلطات وعصائر وحلوى بعد الغداء مع شاي بالنعناع.

بينما تكون روميساء وبراء هم من يتكفلان بأن يفعلا كل الأمور التي تشعر ببهجة العيد.. تكبيرات، أغاني، حلوى، تصوير، وضع الزينة والبلالين.


أجلس على أريكة بنية اللون ناعمة ومريحة بين العديد من الوسائد ذات الفروة البيضاء.

قطع افكاري صوت براء قائلا :
"سرحان في ايه؟"
رفعت نظري اليه، كان جالسا بجواري يسند مرفقيه على ركبتيه مبتسما.
"ولا حاجة"
أردفت حينما رأيت نظرته تلك : "بتضحك على ايه؟"
"ولا حاجة"

قطع جلستنا صوت روميساء وضجة أخرى قادمة من الغرفة الثانية وهي تنادي :
"يا براء"
"جاي"
همس قبل ان ينهض : "انا شكلي مش خلصان النهاردة"
"دا العادي، روتين كل سنة"

غادر بعدها ملبيا نداء اخته. حدقت للحظات في الشاشة المضيئة مستمعا الى التكبيرات.

ما هي إلا لحظات حتى عاد براء ومعه هادي ذا الأربعة اعوام، معهم كرتونه، بها فتحة مربعة الشكل ومزينة بتهنئات العيد.

كان هادي يرتدي ترنج جديد ونظيف. شعره الكيرلي يلمع من الاستحمام، ابتسامته مضيئة تظهر غمازتيه.

حاولت ان امسك نفسي وأمنعها من الضحك حينها وجدت براء يحاول مع الصغير ويقنعه بأن يمسك هذه الكرتونة ويدخل رأسه بها كي يتصور...

"يلا يا حبيبي هتمسك الكرتون وأعد لتلاته وتضحك اوكيه؟"
وضعت يدي على فمي لأمنع زوايا شفتي من ان ترتفعا حينما وجد الصغير يرمقه بإشمئزاز.

همس براء : "صبرني يا رب"
صاحت روميساء قائلة : "خليه يضحك"
قال براء مبتسما للصبي : "يلا يا كتكوت اضحك"

ابتسم الصغير فقط كي ينتهي من هذا العمل الروتيني وكي يذهب ويلحق أخذ العيدية من والده. ما ان أنهى براء التصوير حتى نهض من على الأرض متأفأفا.

"خلاص خلصت يا روميساء"
"لا استنى"

فور ان سمع هادي جملة والدته حتى ترك الكرتونه وركض،
اتسعت عينا براء وقال : "لا خلاص كدا كفاية حلوين الصور اللي إتاخدت"

وضع الهاتف على الطاولة المزينة بالورد المجفف وأردف بنبرة أخفض : "انا زهقت ايه دا؟ رجلي وجعتني"
قلت : "معاك حق، الوضع أوڤر.."
"شفت الواد كان بيبص لي ازاي وكأني واخده بعذبه؟" 
"طبيعي.... ايه شعور طفل يكون عاوز يستمتع بالعيد والعيدية ويلاقي خاله بيلبسه كرتونه ويصوره؟"
قلتها ضاحكا وقد فرت من عيني دمعة لدرجة اني وضعت يدي على معدتي من شدة الضحك.

ابتسم وقال : "طب وطي صوتك دا وليكون في علمك كل اللي بيحصل دا مش بمزاجنا"

إرتفع بعدها صوت اغنية قديمة اعرفها طغت على صوت التكبيرات.

نظرت الى الشاشة فوجدت هادي يضع الريموت على الطاولة بعد ان حوَّل القناة والتكبيرات الى قناة سبيستون على اغنية Detective Conan Main Them.

بدأت الأغنية فتذكرت معها الماضي.. حينما كنت انا وبراء نشاهد ذاك الأنمي في صغرنا.

همس براء : "فاكر الكرتون دا؟"
ابتسمت وقلت : "وحد ينساه؟"

سقطت بلونة متخلية عن اخوتها المعلقين بالسقف..
اكمل براء : "دلوقتي بقينا زيه"
"معاك حق"
"بالأخص انت"
انعقد حاجباي وقلت : "ازاي يعني؟"
"أقصد تشابه في الماضي يا هــ"
لم يكمل جملته  فقد قطعه خروج طنط من المطبخ.

"يلا الحلى جهز يا جماعة يا اللي قاعدين مبطرخين"


لم يكمل براء جملته وانقطع حديثنا لكنه لم ينقطع في ذهني.. تذكرت ذاك اليوم، الدم.. سقوط... مرتفع..

ازدادت ضربات قلبي وشعرت بتعرق يداي. لا اعلم لما؟ وما السبب الذي دفع براء لقول هذا مجددا امامي؟. هل نسى؟. هل كان يقصد؟ هل يدرك؟.

لا اعلم ولكن كل ما أعلمه الآن انني شعرت بأن الصالون بأكمله يدور من حولي كما تدور الافكار في عقلي.

اعلم تكملة جملته واعلم ما الاسم الذي كان سينطق به. لكني وحتى الآن. رغم مرور إحدى عشر عام على تلك الحادثة إلا انني لم أنسى..

(كونان يخفي حقيقته واسمه انه "سينشي كودو" انما انا؟......)

قطع أفكاري صوت أخذ براء الصينية من والدتي، وضعها على الطاولة، نظر الى التورتة الغارقة بالشوكولاته بشهية وقلَّب السكر في الاكواب. لاحظ صمتي فتوقف.

حدق بي للحظات لم أنتبه له بها إلا عندما شعرت بيده على كتفي. 
"اسر.. انت كويس؟"
أومأت فقط. اقترب وقال مدركا :
"اسر مقصدش حاجة"
لمعت عيني لتزيد الوضع اكثر سخافة، أدرت وجهي للجهة الأخرى وقلت بجمود : "عارف"
ساد الصمت للحظات، قدم لي طبق التورتة وقال : "اسف، مكنتش مركز"
"متاخدش في بالك" قلتها كي أخفف ضغط الجو رغم تسارع ضربات قلبي في الداخل.

أكلنا بعدها الحلوى وشربنا الشاي بالنعناع وأغنية كونان تعمل بصوت هادئ في الخلفية.

والدتي كانت سعيدة بالعزومة وظلت جالسة بجوار صديقتها تتحدثان. حضر سليم زوج روميساء وجلس معنا.

هو طويل، لديه نمش خفيف في وجهه وله شعر كيرلي وغمازتين فأدركت ان هادي هو النسخة المصغرى منه. 

قدم له براء الكعك فقال بأدب معتذرا : "Sorry خلاص مش هقدر لسه غاسل اسناني"

ثم ابتسم ابتسامته البلهاء فظهر تقويم اسنانه الحديدي، تقبل براء الإعتذار وقال : "خلاص براحتك"
ثم عاد براء يتناول الكعك. هز سليم رأسه وأمسك الريموت ليقلب القناة.

مرت نصف ساعة فخرجت روميساء ترتدي ملابسها السوداء قائلة : "خلاص هنروح يا جماعة"
رفع براء حاجبه ونظر الى ساعة الحائط التي كانت تشير الى الحادية عشر وقال : "ليه يا بنتي لسه بدري؟"
"معلش بقا وقت نوم العيال وليلى أما صدقت انها نايمة هتصحى وهتعمل دوشة"
"عادي احنا في عيد"
نهض سليم وقال : "ايوه خلاص بقا يا جماعة، عشان برضوا تقدروا تاخدوا راحتكم اكتر"
مسح براء على رأسه ونهض وقال : "خلاص ماشي، انتو أدرى"

سلَّم الجميع على بعضهم البعض، لا أدري لماذا.. لكني كنت ابتسم لرؤيتهم هكذا.

ما ان رحلوا وأغلق براء الباب خلفهم حتى تنهد ولاحظت إنخفاض بسيط في كتفيه وكأن اثقالا انزاحت عنها.
قلت : "احسن دلوقتي؟"
"مش عارف، بس هم مشيوا بسرعة كان لسه هيبقى في فقرة ألغاز من اللي بيحبها هادي"
"انت عارف اختك كدا بتحب تمشي ع النظام زي الألف"
ابتسم ولم يجب.
●●●

براء ليس مجرد صديق طفولة..
فلولا وجوده معي لكنت حبيس تلك الايام حتى يومي هذا.

في بداية إلتحاقي بكلية الشرطة مع براء كنت في حالة نفسية سيئة واكتئاب متوسط لشديد تقريبا.

وذلك بسبب الحادثة القديمة التي تعرضت لها بالإضافة الى مواجهتي لطرق معاملات مختلفة وغير التي تربيت عليها مع من حولي.

في الكلية كانت تلك اول مرة أضطر فيها ان اتعامل مع اشخاص مختلفين وعقول وشخصيات مختلفة. بيئتهم كانت صعبة عن التي نشئت بها وانا لا أقصد ماديا إنما اخلاقيا.

كنت أتصادم واتفاجئ من شدة قلة  المعاملة والاخلاق المنتشرة والتي ادركت فيما بعد انه امر عادي بينهم. حساسيتي الشديدة تلك شجعت بعض المتنمرين ان ينعتوني بمرهف الحس والدلوع والفافي و و  و..

كانو يتخذون ايضا لون شعري الاشقر وعيناي الزرقاوان مسخرة حديثهم، لذلك أعتقد انني بسبب هذا أصبحت أحب إرتداء كابي الأسود وقد يكون أيضا لأسباب أخرى قد تعلمونها فيما بعد.

في الحقيقة لم أكن أهتم بهم وبحديثهم ظاهريا وكنت أدعي أللامبالاه، ولكن إنما داخليا فلا.

فحتما مهما أقنعت نفسك أنك لن تتأثر بالبيئة التي حولك فأنت حتما يوما ما ستتأثر بها ولو قليلا في أي شيء، ورغما عن أنفك.

تأثرت بالطبع في نهاية المطاف بحديثهم ذاك، الى ان أصبت بالاكتئاب.. كانت أسوء سنتين بحياتي هي أولى سنوات الكلية.

ان تشعر انك كل يوم تعيش فقط لتنتظر ان تموت. او انك كل يوم تكون مجبرا ان تستيقظ وتنهض ولديك مهام لا طاقة لك بها. ان تشعر بضيق في قلبك ويصبح عقلك يفسر لك أي رد فعل خارجي من حولك على انه ضدك. على ان من حولك يكرهونك، لا يفهمونك، يرونك ثقيل، وتشعر انك تأخذ مساحة ومكان زائد في أي موضع تكون به. ورغم كل ذلك فانت بشكل لا إرادي يوميا تبتسم في وجوههم وتدعي انك بخير.

المهم، لن أتحدث كثيرا ولن أتدخل في تفاصيل تشخيص الإكتئاب فهو ليس بمجالي وليس بموضوعي ولكن ان قلت كلمة واحدة عنه، هو انه فقط أمر سيء للغاية...

فرت دمعة من عيني، براء لولا انه لم يتركني في تلك الفترة وانه كان يوميا عندي حتى لو لم يكن لشيء مهم إلا ان وجوده وصمته وعدم حديثه الكثير في انه يجب عليّ ان اتحسن او اتغير كمثل قول من قبله، كان فقط يكفيني وزيادة.

قطع تفكيري مجددا : "اسر"
إلتفت اليه في صمت فقال : "كنت بفكر اننا العيد اللي فات ما عيدنا بسبب انشغالنا بقضية، العيد دا شكله مختلف"
هززت رأسي موافقا : "معاك حق"
"تيجي نخرج نلعب تنس؟"

رفعت حاجبي مدهوشا متذكرا في آن واحد رياضتنا المفضلة من ايام الكلية.
"يلا"
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.