رواية : قضية الساعة الرابعة والنصف
سلسلة : رجال خلف العدالة - مغامرات التحقيق والإنسانية خلف الكواليس
الكاتبة : سلمى محمد
الفصل : ٣
ྀིྀི◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡ྀིྀི
قلت بهدوء : "أنا عارف انك متضايق. وفي حقك تضايق. بس متفضلش واقف كده في وش الحيط."
لم يجب فاقتربت منه بخطوات وئيدة. لا يزال ساكنا ولم يفعل أي حركة تدل على الإعتراض. اقتربت و وضعت يدي على كتفه الأيسر.
في حركة وكأنها تقول... (انا هنا انا معاك)
صمته ذاك ذكرني بالصمت الذي حل عليه في أولى أيام الكلية. كنا معا في السكن وكنت أجده دوما في ساعات الليل المتأخرة مستيقظ وصامت يحدق في السقف.
"آسر"
لم أقلها كسؤال.. بل كاسم. كي أذكره انه هنا وانا معه ونحن الآن في الحاضر ولا داعي لأن يغرق في صمت الماضي مجددا.
انزلقت يدي لمنتصف ظهره فضممته حينما وجدت عدم اعتراضه. تنهد وظل كلانا صامتان. فأحيانا الصمت يكون أبلغ من الكلام.
وانا اعرف صديقي فهو الآن لن يرتاح ان ضغطت عليه وان الأحسن ان أدعه هو من يبدأ.
"مش هضغط عليك، بس انا هنا موجود"
"براء.."
أردف وقال :
"انا اسف"
انعقد حاجباي في استغراب : "على ايه؟"
"اني سيبت مسرح الجريمة، انا عارف انه ما ينفع و..."
قاطعته قائلا : "اسر انت صاحبي واخويا من ٢٨ سنة، مسرح الجريمة هيفضل زي ما هو والقتيل مش هيتحرك، فمش معقولة اسيبك كدا عشان شغلة روتينية"
أسند رأسه على كتفي فشعرت بمدى ثقلها، تلاها شعوري بقطرة ماء على قميصي. أدركت انه يبكي.
لم أقل شيء، لكن اكتفيت فقط ان ربتت على كتفه في صمت محتويا حزن صديقي وبكاءه بروحي وجسدي ولأمنع ان يرى احد دموعه.
"انا كنت مشغول"
ضغطت على ضروسي للحظات مدركا الكذبة.
"مش محتاج تبرر مش محتاج تكذب، اسر انا عارفك، انت مش بتخاف ولو خفت يبقى الموضوع كبير، ولو كبير يبقى لازم اكون معاك فيه"
شعرت بصمته وحيرته فقلت :
"عارف؟.. قرأت مرة ان لما يكون الشخص في حالة حزن فالأحسن اننا ما نضغط عليه وان الوجود والصمت بيكون أبلغ من أي كلمة مواساة زائفة. الأحسن ان الشخص هو اللى يقرر ويعترف بنفسه عشان يخرج من حزنه ويتعافى."
صمت للحظات مفكرا وكأني أقلب صفحات الكتب في عقلي لأنتقي جملة أخرى. لكنه فاجئني حينما قال :
"براء انا جالي تهديد منهم"
اتسعت عيناي للحظة من الدهشة، شعرت بإرتجافته تحت يدي فأدركت أن ذاكرة جسد صديقي لا تزال تتذكر ما مضى.
"انا خايف.. اكون خطر عليكم.. على ماما على بابا على طنط منال على روميساء، عليك... هم عارفين اسمي الحقيقي. شايفني اني انا القاتل.."
ازدادت رجفته بينما ظللت انا واقفا صامتا أتلقى كلماته تلك كالطعنات في صدري. مسدت يدي على ظهره.
"هيثم او اسر الاسم مش فارق معايا.. بس اللي اعرفه انك صاحبي من واحنا بالببرونه وانك اخويا وشريكي وانك اللي اديتني دمك وقت اول مأمورية"
أردفت : "انت مش خطر، انت اقوى وانا معاك، محدش هيقدر يجي لك لأن اللي هيجي لك هيلاقي اتنين مش واحد يا هيثم"
"هيثم... انت عارف انك اقوى واحد؟، انت اللي علمتني ان القوي هو اللي بيقوم بعد ما يقع وبيرجع يكمل، وانت وقعت كتير بس مع ذلك لسة واقف يا صاحبي."
نعم، كانت هذه اول مرة ان انطق اسمه الحقيقي منذ فترة طويلة. ليس لأن أزعجه او أخيفه، فقط لأؤكد له انه هنا وانا هنا وانه هو هيثم هو اسر هو اخي الذي لن اتركه.
قلت : "بس قولي كل حاجة بالتفصيل، وامتى والتهديد دا جالك؟"
ابتعد واخرج هاتفه من جيبه على بريد من مرسل مجهول.
"لسه اللي ما بينا مخلصش يا هيثم، فاكر ريان ولا مسحته زي اسمك؟"
أغلقت الهاتف في صمت، قلت :
"بص... هنخلص القضية بعدين ه.."
قاطعني وهو يرتدي كابه الأسود وبنظرة حادة : "لا مش عاوز حد يعرف"
"بس.."
"مش عاوز افتح السيرة دي"
زفرت قائلا :
"طب يلا عشان في قتيل مستنينا"
اتجهت نحو الباب لكنه اوقفني ممسكا بذراعي بيده وقال :
"براء شكرا"
ابتسمت : "انت مجنون بس برضوا مش هسيبك تتهور وحدك"
ابتسم هو الآخر ومسح دموعه بخشونة ورتب هندامه ليعود الرائد اسر البعبع الذي يهابه المجرمون.
لكن هذا الجمود، لا احد يعلم انه مجرد قناع لشخص متعب لا يزال صامدا مثله.
سبقني اسر في الخطوات، كان ثابتا وكأن ما حدث للتو من ضعف هي مجرد دقائق لن تتكرر. سرت خلفه أراقبه.
عدنا الى مسرح الجريمة، كانت الدكتورة نيفين قد أنهت عملها للتو، ترتدي ملابسها البيضاء، عينيها مكحلة بلون بنفسجي يلمع.
خلعت قفازها المطاطي، اقترب اسر وقال :
"ها يا دكتورة النتائج جاهزة؟"
ربعت يدها ورمقتنا بنظرة حادة و نارية.
"ايوه اكيد جاهزة على عكس بعض الناس اللي سايبة مسرح الجريمة بقالها ساعة ونص"
أدركت انها تقصد اسر، شعرت بتوتر الجو، نظرت لاسر مراقبا كيف سيجب. تنحنح اسر وقال :
"كنت بعمل شغل"
شعرت بإنزعاجه من نبرة صوته خاصة وأن اسر لا يحب ان يعاتبه أحد على ما يفعل.
صمتت نيفين للحظات ثم قالت بجدية :
"الضحية يوسف مراد، وقت الوفاة أربعة ونص، والسبب مادة السيانيد بجرعة مركزة، كمان لاقينا بصمات على ازازة العصير"
أردفت : "حاليا هيتم نقل الجثة والعمل على الأدلة وبكرا ان شاء الله هبعت التقرير"
أومأت : "تمام متشكرين يا دكتورة"
عادت بنظرها مجددا الى اسر وقالت : "وحضرة الرائد اسر يا ريت ما يكون في استهتار زي اللي حصل النهاردة دا تاني."
اتسعت عينا اسر من طلبها المفاجئ، إحمر وجهه قليلا، قلت : "دكتورة هو اسر كان معايا و..."
قاطعتني بحدة قائلة : "لو سمحت يا رائد، الرائد اسر مش محتاج حد يتكلم بداله"
صمتت وأدرت وجهي للجهة الأخرى، ماذا أسميه؟ قصف جبهة؟ أفحمت رأسي؟ طلقة بمنتصف الرأس؟. لا أعلم لكن ما أعلم أن عدوى حرج اسر إنتقلت إلي انا الآخر.
تقدم اسر وقال بإنزعاج لم يستطع ان يخفيه : "متشكرين يا دكتورة، بس اتأكدي ان أي حاجة بعملها مش هتأثر على شغلي أو القضية"
أومأت رأسها وكأنها تمثل دور الأم الغير راضية على تصرفات أولادها المشاكسين.
قلت : "بس السانيد دي مش مادة سهلة حد يوصل لها؟"
"ايوه لذلك ابحثوا عن اللي عندهم خلفية علمية او طبية برضو"
"تمام"
صمتت نيفين للحظات نظرت الى اسر ثم قالت : "لو في حاجة او مشكلة انا موجودة"
أومأ آسر ببطء ولم يجب.
وصلنا بعدها الى الطابق الثاني للفيلا، سمعنا صوت بكاء طفل قادم من إحدى الغرف، سرنا على الأرضية التي كانت من خشب لامع نظيف. مسحت على رأسي وكأني أهون من حدة الموقف الذي خرجنا منه للتو.
"اوووف الدكتورة دي ايه؟..."
لم يجب اسر ولم ينظر إلي لكن ملامحه كانت تفضح إنزعاجه وضيقه الواضح. أكملت :
"انا شكلي مش خلصان النهاردة، شوفت كمية الشد والجذب اللي عشناها؟"
ايضا لم يجب اسر لكن ملامحه تكشرت. قلت :
"حادة زي السكينة"
توقف اسر للحظات وقال : "براء!"
أردف بسرعة : "تعالى نشوف الطفل اللي بيعيط وبطل رغي عن الدكتورة"
ضحكت وقلت : "خلاص معلش يا صاحبي"
إتجهنا بعدها نحو مصدر البكاء. كان باب العرفة مواربا. دخلنا الغرفة. كان يبدو عليها انها غرفة أطفال حديثي الولادة، سرير هزاز، حفاظات ومناديل مبللة كثيرة والكثير من الملابس.
كانت الوان الغرفة تتراوح بين اللون الازرق والاصفر الفاتح. وجدنا المدام سهير كانت تجلس بجوار السرير تحاول إرضاع الصغير ببرونة الحليب.
اقتربت من سرير الطفل الباكي. كان يشبه وكأنه في قفص. قلت : "طفلك دا يا مدام؟"
"ايوه"
نظرت الى طفل، عيونه سوداء واسعة تشعان براءة، لم تظهر له أسنان بعد، أطرافه صغيرة يكاد يكون طول كفه يساوي إصبع واحد من يدي.
"ما شاء الله سبحان الله"
لم تقل سهير شيء لكنها ابتسمت. أكملت مركزا على الطفل.
"لسه شايفينه، بيعيط ليه؟"
"كان هنا طول الوقت يا بيه، بس لما صحي قاعد بيعيط ومش راضي يسكت، المسكين شكله حس بان ابوه مات فبيبكي."
قالتها سهير ثم انهمرت دموعها مجددا. حسنا هذه المرة هي من ضغطت على زر البكاء بنفسها!.
أغمضت عيني للحظات متذكرا ما كنت أقرأه..
فتحتها ثم قلت لها بجدية :
"ممكن تشيليه تحضنيه عشان قلبه يهدى، وطبطبي عليه بشكل دائري على ظهره، محتاجينه يسكت عشان عاوزين نتكلم مع حضرتك"
أومأت سهير، أخذت الطفل وبدأت تطبق نصيحتي.
وبالفعل بعد خمس دقائق بدأ الطفل يهدأ تدريجيا. كان المسكين يريد ان ينام كما توقعت وليس أن يأكل كما كانت تحاول أمه.
نظرت لاسر لعلي أجده يفخر بصديقه الخبير في التربية لكني لم أتلقى سوى تكشيرة وانزعاج واضح من مدى إهدار الوقت.
تنهدت ثم طلبت بعدها من المدام سهير تجلس كي نستطيع الحديث. ظل اسر واقفا كالألف يرمقها من رأسها حتى أخمص قدميها ويحلل تعبيرات ملامحها.
كان واضحا عليها التوتر. عيناها حمراوتان. كما ان كتفيها يهتزا بين الحين والأخرى.
"حضرتك المرحوم يوسف كان ليه أي أعداء؟"
"لا يا باشا، هو صحيح بدأت شركته تفلس شوية وعليه ديون لكنه معندهوش اعداء لدرجة يوصل بيهم انهم يقتلوه!"
"طب كان عنده مشاكل؟"
"برضوا ما اعتقد لأن كل مشاكله بتدور حول الفلوس يعني"
انضم اسر للأستجواب قائلا بتركيز : "طيب شغله؟ كان عنده خلاف مع حد؟"
هزت رأسها نفيا : "برضوا لا، هو مدير شركة علاقاته في الشغل كلها مع موظفيه وهو بيعاملهم تمام"
"طيب صحابه؟ عنده صحاب؟ في خلاف حصل بينه وبين حد؟"
صمتت للحظات ثم قالت بتردد : "في صاحب له اسمه مصطفى ربيع، قبل فترة مصطفى طلب من يوسف انه يسلفه فلوس عشان والدة مصطفى مريضة ومحتاجة عملية ضرورية للقلب، يوسف شاف ان مصطفى طمعان في فلوسه وحاطط عينه عليه وان كدا فلوسه هتنقص فرفض، النهاردة مصطفى والدته تعبت جامد بسبب تأخر العملية اتصل على يوسف النهاردة ودبوا خناقة"
سأل آسر منعقدا حاجبيه : "امتى حصل الكلام دا؟"
"النهاردة، تقريبا الساعة تلاته ولا حاجة، بس كان قبل ما تحصل خناقتي معاه"
أومأت وسجلت المعلومات في الدفتر.
"تمام تشكري يا مدام، يا ريت تكوني قريبة عشان لو استدعيناكي تاني"
أومأت ناكسة الرأس. نهضت ثم هممت انا واسر المغادرة. سرنا في ذات الممر اللامع.
قلت أثناء تحديقي وتقليبي بالدفتر وعلى وجهي علامات اشمئزاز :
"انت ايه رأيك بالكلام دا؟"
هز رأسه وقال : "صراحة كل اللي هنا ليه دافع"