رواية : قضية الساعة الرابعة والنصف
سلسلة : رجال خلف العدالة - مغامرات التحقيق والإنسانية خلف الكواليس
الكاتبة : سلمى محمد
الفصل : ٤
ྀིྀི◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡ྀིྀི
عدنا الى القسم. دلف كلانا الى المكتب في صمت. جلس اسر على كرسييه الأسود المريح الدوار. مدد ساقيه ثم أعاد رأسه للخلف.
وضعت أغراضي بدرجي فقال اسر بعد تنهيدة :
"الواحد تعب..." أكمل : "حاليا هنحتاج نستدعي مصطفى ونستنى نتايج الأدلة والطب الشرعي"
قلت واضعا هاتفي بالشاحن : "معاك حق"
أردفت : "طيب هروح اعمل قهوة ونبدأ؟"
"تمام سادة زي ما انت عارف"
أومأت ثم غادرت المكتب مغلقا الباب خلفي تاركا اسر يربط خيوط القضية في عقله أثناء تحديقه بالسقف.
سرت في الممر ببطء، قدماي تكادا لا أشعر بهما. قابلت علي اثناء طريقي فتصافحنا وكذلك أسد أيضا.
إتجهت نحو بوفيه القسم فقابلني صوت أحدهم من الداخل يدندن أغنية ومعها صوت تقطيع شيئا ما. اعرفه بصوته الغليظ السميك..
كان أكرم في الداخل يدندن : "مربوط بأستيك.. وسط ناس.."
حسنا من دون أن أرى ما يقطع انا أعلم انه يعشق البطيخ.
دخلت ولم يلتفت إلي. اقتربت الى ان وقفت امام الطاولة بجواره وقلت : "هو ايه اللي مربوط بأستيك يا اكرم؟"
إلتفت إلي، كان يرتدي قميص أخضر فاتح اللون وسروال أسود. شاربه كثيف وشعره اسود قصير ولديه ندبه في حاجبه الأيسر، لكنه ابيض البشرة.
أجاب بطريقته المستفزة عادة : "دي اغنيه يا بيبو المثقف"
إشمئزت ملامحي وامعائي أيضل من الاسم وتكشر وجهي وقلت : "ما تطنقش الاسم النتن دا تاني"
"ليه بس؟ طب بوبي حلو؟"
"اكرم انا مش جاي أهرء معاك وسع عشان عاوز اعمل قهوة"
"طب اعمل لي معاك نيس كافة عشان عطشان"
"اعملها بنفسك" قلتها بينما افتح درفة الخزانة، الغبي، لا يوجد نسكافيه من الأساس هنا. اخرجت علبة السكر والاكواب و شغلت الكاتل.
مد لي يده بقطعة بطيخ من الذي كان يقطعه ثم قال : "طب روق بالك وخد دوق"
"مش عاوز"
"دوق هيعجبك لسه شاريه"
همست في نفسي متمتما : "وهو انت وراك ايه غير انك تشتري بطيخ؟"
أخذتها كي لا تصبح يده ممدة لي هكذا قائلا لنفسي مواسيا : (معلش يا براء خدها واعتبره صاحبك حبيبك).
تناولت شقة البطيخ أثناء سكبي للماء في الاكواب. حسنا في الحقيقة كانت مسكرة وحمراء وشهية.
كان اكرم يستندت بظهره الى الطاولة وياكل من طبخ بطيخه. تكلم اثناء أكله فتناطر بذر البطيخ ارضا، لكن لم يهتم الحيوان وقال :
"تعرف اسد فين؟"
"ليه؟"
"هي دي اجابه؟" بلع البطيخ واكمل : "بقول عشان في قضية شغال عليها وعاوزه في حاجة عشان انا خارج"
"معرفش، وبعدين انت هتخرج وهتسيب شغلك على أسد؟ خارج فين ان شاء الله؟"
بنبرة تمثيلية : "هكون خارج مع مين يا بيبو؟ اكيد مع إحداهن مش احدهم لا تقلق"
توقفت عن تقليبي للكوب، رمقته بإزدراء وقلت :
"اكرم انت لسه راجع من اسكندرية من شهر؟ دي المرة الكام اللي خرجت فيها مع واحدة؟"
قال بتمثيل مبالغ به وكأنه يتحدث مع جمهور ليس موجودا في الأساس : "اوف آي آي، الرائد بيبو بيوبخني عشان معجباتي كتشير يا سادة"
أردف بينما يضع الطبق على الطاولة : "ما تبرأقش كتير يا بيبو عشان هم دايما بيطيروا..." ثم ضم اصابعه وفتحها موجهها نحوي قائلا : "قل اعوذ برب الفلق"
لوهلة شعرت ان أي لحظة اخرى ستمر علي مع أكرم هنا، حتما سينتهي الوضع بأن ألكمه في سنته الأمامية المسوسة تلك.
اخذت الاكواب وهمست ضاغطا على ضروسي : "غور انت و روقانك وتفاهتك يا شيخ"
●●●
خرجت من البوفيه أخيرا متنفسا الصعداء. لكن فجأة باغتني ألم في معدتي... أشبه بمغص.
تجاهلته ثم عدت للمكتب. كان اسر قد فتح الملف ويحدق به. رفع نظره وقال :
"ايه يا عم كل دا تأخير؟ لو بتسلق لحمة مش هتتأخر كدا"
جلست بعد ان أعطيته كوبه : "مش كدا، بس كنت مع الغبي اللي اسمه اكرم"
ما ان ذكرت أكرم وشعرت بإزدياد الالم حتى أردفت هامسا : "ااااه، يخربيت ام البطيخة دي"
"انت كويس؟"
"اه، بس شوية وجع في بطني كدا"
صمت للحظات ثم عاد وفتح الملف وقال : "تقدر تريح وانا هكمل"
"لا لا فكك، بسيطة ان شاء الله"
مرت لحظات حتى سمعنا طرقا على الباب، دخل بعدها علي وقال : "يا باشا، الاستاذ مصطفى جه"
اسر : "خليه يدخل"
أومأ علي وغادر، لحظات حتى دخل مجددا ومعه رجل أربعبني، شعره اصلع من الأمام، يرتدي نظارة سوداء سميكة، وقميص مخطط وسروال اسود.
قلت : "اتفضل استاذ مصطفى"
أومأ وجلس، نظر اسر لعلي الواقف عند الباب نظرة تقول (خلاص تمام تقدر تمشي)
فهم علي ثم غادر وأغلق الباب خلفه.
قلت : "استاذ مصطفى طبعا عارف انت هنا ليه"
وضع عينه بعيني وقال : "مظبوط"
"الاستاذ يوسف النهاردة اتوفى في الساعة اربعة ونص، حالة تسمم، تقدر تقول لي كنت فين الوقت دا؟"
أجاب بهدوء وثبات إنفعالي : "كنت مع والدتي في مستشفى القلب"
رمقه اسر بنظرة حادة كأنه يحاول قراءة شفرات لغة جسده الثابت ذاك وقال : "حضرتك احنا عرفنا ان كان في خناقة النهاردة بينك وبين المرحوم"
"صحيح"
"اخر مرة كنت معاه امتى؟"
"الساعة تلاتة كانت اخر مرة اشوفه فيها"
"كنتوا بتعملوا ايه؟"
"كنت بحاول اقنعه اني محتاج سلفه منه عشان عملية والدتي، كان بيشتري كرتونتين عصير، واحدة مانجا والتانية عنب"
ارتفع حاجبي للحظات مسجلا.. "معلومة مهمة"
"وبعدها؟"
"روَّح كل واحد في حاله"
"بس بعدها انت رجعت اتصلت عليه واتخانقتم"
"صحيح، دا لما رجع بيتي الساعة اربعة ولاقيت والدتي كانت تعبت بسبب تأخر عمليتها"
" طيب عندك مشاكل تانية مع يوسف؟"
"لا بس هو موضوع الفلوس"
"طيب ماشي، تقدر تتفضل لكن ممكن نستدعيك تاني"
أومأ مصطفى بهدوء ثم نهض وغادر. لوهلة شعرت بدوار يحل على رأسي. تنهد آسر وإرتدى كابه مجددا وقال :
"من الواضح كدا ان اللي قتل يوسف كان بدافع الفلوس"
أومأت مؤيدا رأيه وقلت : "فعلا، ومعتقدش انه انتحار برضوا"
"لان عنده كارهين كتير وأعتقد كله عشان الفلوس برضوا"
نهض وأردف قائلا : "طيب.. دلوقتي هنروَّح وبكرا نكمل ماشي؟"
نظرت الى ساعة يدي، كانت تشير الى الثانية عشر، منتصف الليل وقلت : "يا ريت عشان بطني شكلها قلبت بجد"
"معلش"
●●●
غادر اسر، أخذت هاتفي وأغراضي. امسكت هاتفي فوجدت رسالة من الواتساب أتتني من روميساء تدعوني فيها ان أزورهم.
كتبت : (ها صاحين؟)
ما هي إلا لحظات حتى أتتني رسالتها تقول : (ايوه تعالى احنا سهرانين، تنورنا)
ابتسمت ثم كتبت : (خلاص جاي)
قدت السيارة بعدها بهدوء الى منزل روميساء. السماء حالكة والبدر مكتمل والجو معتدل قليلا.
أسير وحدي نحو عمارتها ويرافقني الصمت. عواميد الإنارة تضيء الطريق و بعض القطط المشردة تعبث بأكياس القمامة بحثا عن الطعام.
طرقت على الباب دون الضغط على الجرز لعلمي ان الاطفال نائمين الآن. فتحت لي روميساء.
هي اقصر مني بالطول، شعرها اسود قصير. ابتسمت فظهرت غمازتيها بشرتها أسمر من بشرتي. ملامحها تختلف عني.
"يا هلا منور" ثم أشارت لي بالدخول : "اتفضل، اتفضل"
دخلت، جلست على اقرب أريكة، ارتدت هي نظارتها السوداء ذات العدسات الدائرية. قلت : "سليم موجود؟"
"ايوه طبعا موجود كان جوا بيعمل شغل على اللاب"
ثم نادت بصوت أعلى : "يا سليمم"
أتى صوته من الداخل : "اه جاي جاي ثواني بس"
إلتفتت روميساء إلى مجددا وقالت : "في مكرونة بشاميل تحب تاكل؟"
هززت رأسي نافيا : "لا ممكن حاجة خفيفة او حاجة سخنة؟ بطني وجعاني شكلها نزلة معوية تاني"
اندهشت واقتربت مني لتجلس بجواري على الأريكة.
"اوف، مرة واحدة؟ سلامتك من ايه؟ اكلت تاني من برا حاجة ملوثة؟"
"اكلت حته بطيخ"
"امم سليم برضوا من فترة جات له وهادي كذلك بعد ما رجعنا من عزومة العيد بطنه وجعته مدة"
"طب ودلوقتي عامل ايه؟"
"كويس احسن شوية بس بيسخن"
"ربنا يشفيه، أمال البت لولو عاملة ايه؟"
"كويسة، زي ما انت عارف طول الوقت بتعيط، ولما بتنام يعتبر دا وقت جنة"
ضحكت : "ربنا يعينك"
ابتسمت وقالت : "امين"
وضعت يدها على كتفي ثم قالت : "طيب هروح دلوقتي اعملك حاجة تخفف من الوجع دا اوكيه؟"
أومأت فقط. نهضت متجه للمطبخ وما ان وصلت للطرقة حتى نادت مجددا : "يا سليممم!"
صوت نهوض من على السرير ثم قال : "خلاص حاضر يا حبي"
"هات في ايدك مسكن لنزلة معوية او فلاجيل"
"حاضر"
تنهدت بثقل وظللت جالسا مكاني، أرحت ظهري الى الأريكة. مرت دقائق حتى أتى سليم بعدها. يرتدي قميص خفيف وسروال وشعره منعكش قليلا.
قال بنبرة مرحة أثناء وضعه للاقراص وكوب ماء أمامي على الطاولة : "سلامة الضبوطة"
ابتسمت، جلس وقال : "تحب تشوف حاجة معينة؟ في ماتش شغال دلوقتي"
سألت : "الأهلي بيلعب؟"
"ايوه يا عم"
"خلاص شغل"
بدأ بعدها يشغل الشاشة، وضعه على صوت منخفض، بعد قليل دخلت روميساء معها كوب يانسون يتصاعد البخار منه. ومعها فطيرة قرفة.
"اتفضل دي حاجة خفيفة تسندك شوية"
"شكرا"
جلست بعدها مجددا بجواري.
حاولت ان اكون بخير واقاوم تقلصات معدتي بين الحين والآخر. حسنا لقد أراحني اليانسون قليلا.
مرت ربع ساعة، شعرت فجأة بإشتداد تقلصات معدتي. نهضت بتلقائية.
"على فين؟"
قالتها روميساء التي كانت تأكل اللب.
"هخش الحمام وهاجي"
●●●
وصلت الى الحمام الذي كانت أرضيته وجدرانه من سراميك احمر اللون. كان باردا او ربما انا من كنت باردا، لكن رائحة الصابون تنتشر به.
وقفت أمام الحوض ثم سمحت أخيرا لنفسي ان أفرغ ما حاولت معدتي إخراجه من مدة بتقلصاتها.
مرة واثنان وثلاثة. أعتقد اني أفرغت كل شيء قد تناولته.
شعرت بدوار اكثر. تمسكت بالحوض للحظات. غسلت وجهي وفمي ثم إنتابتني حالة من التقزز، خرجت بعدها وجففت يدي بمنشفة كانت معلقة في الطرقة.
سمعت حوارهم.
"انا بقولك، لما شفته حسيت اصلا انه ممكن يقع في اي لحظة، ملامحه تعبانه جدا"
أجابت وكان صوتها كان مشفق وحزين :"بعدين ايه دا؟ طلع تعبان بجد كنت فكراه مش كدا"
"تلاقيه كان بيطارد مجرم، بعدين المرض مش بيجي بمقدمات، المهم دلوقتي ياخد الأقراص وخافض حرارة ويريح شوية، هتلاقيه بدأ يسخن"
بتلقائية وضعت يدي على جبهتي فوجدت حرارة بدأت فعلا كما يقول. تنهدت ثم انضممت اليهما.
وجدت سليم يمسك بكوبه شاي بالنعناع ويحتسيه متابعا الماتش وهما يظننان اني لم اسمع شيء. لم اقل شيء. جلست ثم قلت : "معلش يا جماعة معذرة"
"ولا يهمك، في غرفة جوا زيادة، انا رأيي ترتاح الليلة دي"
أومأت موافقا. اكمل سليم متابعته للماتش بعد ان هز رأسه لروميساء في حركة تقول : (خلاص وديه الأوضة يرتاح)