SalmaHamdy1

Share to Social Media

رواية : قضية الساعة الرابعة والنصف
سلسلة : رجال خلف العدالة - مغامرات التحقيق والإنسانية خلف الكواليس
الكاتبة : سلمى محمد
الفصل : ٥
ྀིྀི◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡ྀིྀི

عدت الى المنزل في حوالي كانت الساعة الثانية عشر ونصف. كانا والداي قد خلد كلا منهما الى النوم أو هكذا ظننت.

خلعت كابي وساعة يدي و وضعتهم مع هاتفي على الطاولة. اغلقت الضوء ثم اتجهت لسريري كمحاولة بائسة ان أنام كما يفعل بقية الخلق.

لكني في الحقيقة ومنذ احدى عشر عام وانا لم اعد استطيع النوم براحة كما كنت.
استلقيت وظللت احدق بالسقف، ذاك السقف الذي اصبحت احفظ كل إنش به عن ظهر قلب.

اغمضت عيني للحظات، زفرت ببطء. ثم نمت..

●●●

كان وقت الظهيرة، الشمس حارقة تضرب رؤوس من يقف تحتها. كنت واقفا على سطح المدرسة.

انفاسي متسارعة. شاب امامي، في نفس عمري.. ١٧ عام. طويل، على انفه لاصق طبي شعره برتقالي اللون ولونه ابيض.

لا ادري ما حدث لكني أراه الان يغرق في الهواء منجذبا الى الاسفل بجسده بالكامل. سقط من على سطح المدرسة امام عيني!.

كان واضحا عليه الغضب مني قبل ان يسقط وتتحول ملامحه الغاضبة الى ملامح الالم الغارقة بالدماء. سقط زميلي ريان امام عيني ولا يزال عقلي بين الحين والاخر يذكرني انني السبب، انا من دفعته!.

كنا نتشاجر. لا اذكر لماذا كان الشجار؟ لا أذكر لما كنا على السطح؟ لا اذكر لماذا يخبرني عقلي بين الحبن والاخر اني انا القاتل!.

انهرت وانهمرت دموعي، ذعرت وحاولت ان انقذه وامسك به قبل ان يسقط. لكنه كان ثقيل، رافض ان يعود.

أرى الآن رجلا اخر، في نهاية ممر طويل ضبابي قليلا.

يحمل ندبه في خده الايسر، يرتدي نظارة طبية، طويل ويرتدي الابيض...
ملامحه تشبه ريان. او ربما ريان من يشبهه. كان والد ريان.. ماذا كان اسمه؟ لا اتذكر...

والدي بعدها بسلطته ونفوذه استطاع ان ينقذني من ذاك المأزق. غيّر اسمي ونقلت الى مدرسة أخرى.. دخلت بعدها بحالة صدمة.

ظللت صامتا لمدة.. حوالي سنة او سنتان فقط.
كانت بعد تلك الحادثة أولى سنوات الكلية، كان براء معي منذ البداية.

تسارعت أنفاسي ظنا مني أني أحلم لكني سرعان ما نهضت فزعا من على سريري. لم تكن مشاعري حلما.. كانت حقيقية. عيناي كانتا مبللتان بالدموع دون ان أدرك.

انفاسي متسارعة وكأنني كنت في سباق ركض، وقلبي بدا كما لو انه يريد ان يخرج من بين ضلوعي. الغرفه معتمة. ولا ضوء هنا سوى ضوء القمر الذي يقتحم غرفتي.

شهيق.. زفير.. ببطء.
نظرت الى ساعة الحائط فوجدت عقربها يشير الى الثالثة ونصف. ظللت جالسا في صمت بينما عقلي لا يزال يتذكر الحلم بشكل مفصل.

لا اتذكر كيف دفعته وهل إذا كنت دفعته حقا ام لا؟. كلما احاول التذكر اشعر بالم في عقلي وفقط. لقد محى عقلي تفاصيل الحادثة منذ ان شهدت صدمة موته. ثم...

وذاك الرجل..؟ اشعر اني رأيته من قبل لكني لا استطيع ان اعرف اين؟.
رجل بندبة في خده الأيسر، نظرته حادة، يرتدي نظارة طبية وهو والد ريان.

لا اعرف لما يراودني شعور اني رأيته. أخشى ان تكون أوهام يخترعها لي عقلي!.
ظللت على حالي ذاك للحظات الى ان بدأت انفاسي وضربات قلبي المتسارعة تهدأ.

طار شبح النوم من عيناي وهجرني منذ إستيقاظي من ذاك الكابوس. أحدق بالسقف وبين الحين والاخر اعود بنظري الى ساعة الحائط وكأن هناك معادا مهما يقترب رغم انه لا يوجد شيء!.

نهضت من على فراشي مقررا هجره كما هجرني نومي. اقتربت من النافذة، اصطدم بوجهي نسيم الليل البارد. زفرت ثم ظللت واقفا للحظات. عدت مجددا للسرير، لم اجلس عليه بل على الارض، بجواره.

أسندت رأسي على المرتبة. اغمضت عيني وزفرت مجددا.
وكأنني بزفراتي تلك، احاول تخليص قلبي من ضيق غريب يحتل سكوني، لكن بالطبع لم تفلح في ان تهدأني فدمعت عيناي مرة أخرى.

كانت تتساقط فتسكن على المرتبة فتجف بين مسامها.

لست قاتلا ولا اريد ان اتذكر فيظهر لي عكس ما اتمنى!.
انا لست مجرما من الذين اقبض عليهم يوميا!.
انا جيد.. ولست سيء...

الافكار تعتصر قلبي كما تُعصر الفاكهة فتصبح عصيرا. أغمضت عيني، يدي تقبض لا إراديا على طرف الملاية، وكأنني في معركة أحاول ان اخرج بها ذاك الوحش المظلم الصامت القابع داخلي.

ذلك الوحش الذي أضطر يوميا ان أخفيه وارتدي اقنعة اخرى تخفي هويته فقط كي أحمى نفسي من الخطر. من خطر ذاك المنتقم الذي لا يزال يطاردني هو وعصابته يريد الانتقام.

كل يوم انجو به منهم ليس هو إلا تأخير اضافي من مواجهة حتمية معهم أجهل موعدها. ولكني اعلم انها ستكون مواجهة قاضية ماحية فإما ستمحيني او ستمحيهم.


لم أدرك الوقت الذي مر سريعا أثناء جلستي تلك. فحينما استيقظت مجددا رفعت رأسي وكنت لا ازال جالسا مستندا الى السرير وتاركا إياه فارغ.

كانت الساعة الخامسة والنصف. عدت الى الفراش مجددا لكني لم استطع ان اعود للنوم. امسكت هاتفي اتصفحه بملل. وجدت رسالة من براء لها نصف ساعة يخبرني انه بدأ العمل فكتبت ردا له : (خلاص جاي)

●●●

وصلت الى القسم بعد ان أخذت حماما منعشا نشط خلاياي. دخلت المكتب فوجدت براء يجلس مكانه ممسكا بالملفات على وجهه علامات التعب والتركيز في آن واحد.

"ها كيف الحال؟"
رفع رأسه إلي وقال :
"اهو تمام، بس احنا محتاجين نروح لفيلا المرحوم يوسف مراد تاني"
"ليه؟"
"في حاجات مهمة يا اسر لازم نشوفها"
انعقد حاجباي في استغراب، انا لا افهم شيئا هنا.
"زي ايه؟"
"يعني ايه زي ايه بجد انت مش عارف؟"
"طب اي رأيك تنجز وتبطل شغل التشويق دا؟"
اتسعت عيناه في دهشة مما زاد من شعوري بالغباء. إتجهت نحو مكتبي وجلست. مد لي ملف وقال :
"بص دي نتايج الطب الشرعي والأدلة"
أدركت ان هذا ما يتحدث عنه براء، اذا عندما أرى النتائج سأعلم لما سنذهب...


قلَّبت صفحات الملف محاولا ان أدعي التركيز والفهم، في الحقيقة بدت الأمور أمامي أشبه بطلاسم عائم بعضها في بعض.. وهذا ليس غريبا فبعد كل نوبة أتذكر بها تلك الصدمة، أخرج منها وعقلي يصبح فارغا كأنه ورق أبيض. 

(البصمات على زجاجة العصير تخص صوفيا فقط. بينما وجدوا ان الجثة كانت تحاول ان تقاوم التسمم الى ان ماتت.

وهذا يؤكد نظريتنا الأولى أنها جريمة قتل وليست انتحارا.  كما ان المادة السمية -السيانيد- كانت كمية مركزة وجرعة كبيرة.

وان نتائج الأدلة تقول انه على هاتف المرحوم آخر من تحدث معه كان مصطفى وقد دامت محادثتهم من الساعة ٣:٤٥ . وحتى الساعة ٤:٠٠ مساء)

إنعقد حاجبي في استغراب، الأمور جيدة ولا شيء غريب كما أوهمتني طريقة كلام براء. تنهدت وأغمضت عيني محاولا التفكير... لكن انتهى بي الامر ان أرفع رأسي الى السقف أحدق به كعادتي كلما شعرت ان رأسي مغلق بقفل حديدي صدئ.

مرت لحظات حتى وجدت براء يضحك. ضحك حتى دمعت عينه والى ان أسكته الم معدته.

"مش شايف حاجة مضحكة"
"لا بس فكرتني بحاجة، شكلك مضحك وانت بتعد النجوم في السقف، افتكرتك وانت صغير"

لم أجب.. لكن زاوية شفتي ارتفعت في ابتسامة بسيطة ما ان تذكرت تلك الذكريات. سعيد ان هذا المجنون الذي يضحك الآن وقد كان لتوه يكشر عن أنيابه في إستياء.

"تقلبات مزاجية حادة"
مسح دمعته : "معلش استحمل"

ساد الصمت للحظات وحتى قال :
"يلا عشان انا اكتشفت حاجة"
"اي هي؟"
"هتعرف"

فكرت للحظات بما ان عقلي مغلق الآن فلا مانع ان ذهبت معه فكلتا الحالتين انا مشتت تركيزي.

●●●

وصلنا بعدها الى فيلا يوسف مراد. ضغطنا زر جرز الفيلا وانتظرنا الرد.

"طب ايه الخطة"
"هنتكلم مع الآنسة صوفيا"
"بس كدا؟"
غمز وقال : "بعدها هتوضح الحقيقة"

لم اهتم له وإلتفت مجددا الى الباب بمجرد ان فتحت صوفيا.  كانت يدها مبللتان مما جعلني أخمن انها كانت تغسل شيئا.

"خير يا بشوات؟"
براء : "كنا عاوزين نستكمل بعض التحقيقات"
نظرت إلينا بريبة وبشك حاولت ان تخفيه قائلة :
"اهلا وسهلا اتفضلوا"

ادخلتنا بعدها الى الصالون، حاولت ان تعزم علينا شيئا لكنني رفضت فطلب براء :

"آنسه صوفيا لو سمحتي احنا عاوزين ندخل المطبخ"
انعقد حاجباها بشك ورمقتنا بحذر وقالت بصوت منخفض جعلني أشعر بالريبة.
"ايوه تمام تقدروا"

دخلنا الى المطبخ بعدها، كان ابيضا واسعا، وكانت المعالق السوداء معلقة.

كان هناك حلل طعام موضوعة على فرن كهربائي مشغل. وصنبور الحوض لا يزال يقطر الماء.

إتجه براء نحو سلة المهملات ونظر بداخلها وسأل : "اظن ان السلة دي مكانها كدا من امبارح صح؟"
قالت بإستغراب : "ايوه يا بيه"
"انا شايف ازازة عصير من نفس نوع الشركة اللي شرب منها الاستاذ يوسف واللي سممته"  أردف وقال : "بس دي عنب"

هنا اتسعت عيناي وارتفع حاجباي في دهشة مما قاله براء، شعرت لوهلة ان اخيرا عقلي قرر ان يفتح ابوابه الموصدة.

براء لم يفعل كل هذا عبثا. براء فكر وخطط بدوني. لوهلة شعرت بانزعاج خفي لكن بذات الوقت شعرت بفضول الى اين سيقودنا استنتاج صديقي.

"مين شرب العصير دا؟"
"المدام يا بيه"

هنا تذكرت ما قاله مصطفى أثناء الإستجواب فقلت :
"في كرتونتين عصير جداد، واحدة مانجا والتانية عنب صح؟"
رفعت صوفيا حاجبها بإندهاش وردت :
"بالظبط يا بيه"

نظرت الى براء فأومأ لي بجدية وقال :
"اظن انه هو اللي في بالك يا اسر"

سألت : "يعني كدا المدام بتشرب العنب والاستاذ بيشرب مانجا؟"
أومأت صوفيا مؤكدة : "بالظبط يا باشا دي عادتهم"
براء : "ممكن توضحي أكتر؟"
"هم متعودين دايما انهم بيجيبوا كراتين العصير تقعد معاهم كمخزون ولما تخلص بيجيبوا تاني، بيحبوا يشربوا يوميا"

أردفت قائلة فجأة فلاحظت ان ملامحها كانت أكثر انفتاحا وكأنها أدركت شيئا جديدا :
"امبارح كان آخر ازازتين عصير من الكرتونة اللي فاتت"
"في وقت معين بيشربوا فيه العصير ولا أي وقت؟"

"بالظبط يا باشا، هم دايما متعودين لما البيه يوسف بيرجع من شغله بيشربوا العصير مع بعض"
"بيرجع امتى؟"
"الساعة ٤"

"بس واضح كدا انهم ما شربوه امبارح لانهم اتخانقوا"
"ايوه مظبوط. هي الأستاذة سهير شربته امبارح ع الظهر، وقتها البيه ما كان رجع"

بدأت الشكوك تتجمع في عقلي. إتجهت نحو الثلاجة ثم فتحتها. ابتسمت..

نفس ما توقعته.. بالطبع كرتونتين العصير التي إشتراهما المرحوم امس لم تفتح بعد!.

اقترب مني براء لينظر الى ما انظر اليه. مِلت عليه وهمست في اذنه قائلا : "شكلها هي"

أومأ مؤيدا لما قلت، عاد بنظره الى صوفيا ورمقها بنظرة حادة أربكتها :
"المدام سهير فين؟"

ردت متلعثمة : "هي، هي حاليا في المستشفى مع البيبي عشان بيعيط من امبارح."
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.