SalmaHamdy1

Share to Social Media

رواية : قضية الساعة الرابعة والنصف
سلسلة : رجال خلف العدالة - مغامرات التحقيق والإنسانية خلف الكواليس
الكاتبة : سلمى محمد
الفصل : ٢
ྀིྀི◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡ྀིྀི
ظللنا طيلة الليلة الماضية نلعب مبارات التنس، وفي الساعة الواحدة غادر آسر وطنط صفاء عائدين لمنزلهم. أما والدتي فقد نامت وبالنسبة لي كعادتي أيام العيد لا أنام إلا حينما يغلبني النعاس وينزلا جفناي رغما عني، فقد ظللت طيلة الليل أقرأ وأستمتع بأكل اللب والسوداني والمكسرات.

وبالطبع نتيجة لكل ذلك التعب ففي النهاية نمت تقريبا في حوالي الساعة التاسعة صباحا.. حسنا سأعترف لا أتذكر الوقت جيدا.

نمت وحتى أتت الساعة ٥:١٠ وقت المغرب إستيقظت على أثر عدة رنات تلقيتها من هاتفي. فتحت عيناي بصعوبة وانا اشعر بارهاق تام في جسدي ورغبة في أن أكمل النوم. كانت الغرفة شبه معتمة عدا ضوء هاتفي الذي كان بجواري على الكومود. مدت يدي أتحسس مكانه دون أن أنظر، فصاحب هذه الرنات لا شك انه اسر.


أجبت ولا يزال الكسل يرافق نبرتي : "الو؟"
"تعالى في شغل"
"قضية جديدة؟"
"ايوه انا حاليا في ×××××"


انفتحت عيناي الكسولتان أخيرا للحظات بعد أن أدرك عقلي ان هذا وقت تلبية نداء الواجب.

انتهت المكالمة واعدت الهاتف مكانه وكذلك عادت رأسي الى الوسادة. تثائبت وكدت أن أغفو مجددا لكن من الجيد انني أدركت ولم أستسلم لسلطان لنوم.

جلست على السرير مدركا فكرة انني سأتخلى عن سريري هذا لبعض الوقت.

إتجهت بعدها لدورة المياه فالآن وقت العمل وشريكي لن ينتظر محاولاتي المستميته في ان احافظ على جفناي مفتوحان.

اخذت دشا دافئا ثم ارتديت ملابس العمل. وقفت أمام المرآة اتأكد من مظهري، رششت من عطري المفضل، صديقي منذ صغري ثم خرجت. أخذت هاتفي، مفاتيحي واغراضي. خرجت الى الصالة فقابلتني والدتي نظرت إلي متفحصة.


"شكلك خارج؟"
"اه ايوه"
ابتسمت بحنان قائلة : "شغل ولا ايه؟"
"اه هطلع مأمورية"

ابتعدت، ثم وضعت المزهرية التي كانت بيدها على الطاولة، وقالت بنبرة أعرفها حينما تكون تريد شيء لكن ايضا لا تستطيع ان تفعله :

"خلي بالك من نفسك في المأموريات دي"
فهمت مغزى الكلام، قبلت جبهتها وعانقتها وقلت : "حاضر يا ست الكل متقلقيش عليا"

قالت بصوت منخفض : "بس برضوا اخاف عليك يا براء، من نفس المصير، وانت عارف انك واختك كل اللي في الدنيا، بس انت عنيد برضوا ومش عاوز تسيب الشغل دا"

شعرت بشيء من الإنزعاج من عودتها لفتح فكرة ان أترك العمل ولكن قلت : "مش هقدر يا امي انتي عارفة اني بحب الشغل دا واني عاوز اكون مع اسر واللواء هشام وعاوز اكون زي بابا"

دمعت عينها وقالت : "ربنا يحميك يا ابني، انت نسخة من ابوك بالظبط"

غادرت بعدها المنزل شاعرا بسلام وطمأنينة وكأن دعوات والدتي وحبها المرافقة لي هي الدرع الحامي لي. ركبت السيارة مفكرا.

لقد فقدت والدي حينما كنت بالعاشرة. لكن في ذات الوقت فهو مات شهيدا في سبيل أن يحقق العدالة أثناء عمله في مأمورية طويلة المدى.

رغم قسوته علي في بعض الأوقات إلا انني لا زلت أحبه وأحببت أن أكون مثله. أما عن والدتي فهي تخاف علي من أن ألحق بذات مصير والدي وهي لا تكف بين الفترة والأخرى في ان تتحدث معي عن أهمية ترك عملي الميداني هذا بالنسبة لها..

●●●

وصلت حيث مسرح الجريمة الجديد. الفيلا كانت هادئة، رجال الشرطة منتشرين كعادتهم.

ألقيت نظرة على الضحية من بعيد فقد كان رجال الأدلة الجنائية والتصوير منشغلين بعملهم ويتوجب علي ألا أتقدم كي لا أقاطعهم.

لاحظت علامات الإختناق الواضح على الرجل، وزجاجة عصيره كان غطائها لونه أخضر ملقى الأرض بإهمال بجوار جثته ، لاحظت أيضا ميلان جلده الى اللون الازرق.

أما عن ملامحه فقد كانت تبدو متوترة. كان رجلا تقريبا في الأربعينات، أسمر اللون، ذا شعر اسود كثيف وبه خصلات بيضاء.
أدركت من هيئته انها حالة تسمم.

أتى نحوي "علي" و هو عسكري قديم معنا.
"كويس يا باشا انك ما تأخرت، الرائد آسر لسه كان طلب انك لما توصل تبدأ الإستجواب الأولي"

انعقد حاجباي في استغراب، لما لم يبدأ اسر في العمل وترك لي الإستجواب وأخره حتى الآن؟ ماذا يفعل الآن؟.

سألت : "هو كويس؟ فيه حاجة؟"
أومأ مؤكدا بثقة : "ايوه يا باشا هو كويس"
لم يعجبني الحديث لكنني قلت كي أوقف إهدار الوقت هذا : "طيب هشوفه وهبدأ حالا، شكرا"

غادر علي للحظات. لاحظت ان رجال الطب الشرعي لم يصلوا بعد.

مسرح الجريمة هي صالة رائقة لفيلا فخمة. كنت قد رأيت ملابس الضحية فشعرت انه من طبقة غنية. ليس هذا مهم الآن.. اسر.. 

فكرت اين ذهب؟ هل أذهب له له وأرى أين هو؟ أم ماذا سأفعل؟.
لكن سرعان ما وجدت نفسي أدخل احداث القضية، فقد عاد علي ومعه إمرأتان.

واحدة ترتدي فستان أخضر واسع وترتدي نظارة وشعرها بني اللون غير مرتب، وكانت بيضاء. لكنها كانت عينيها متورمتين من كثرة البكاء. وفي ساقها إصابة.

والأخرى والتي عرفت من هيئتها الأفريقية انها الخادمة هنا، كانت ترتدي زي بنفسجي اللون، سمراء، تربط شعرها مجعد في كحكة، تضع مكياجا خفيفا. تعبيرات وجهها محايدة وصامتة.

قال علي : "حضرة الباشا دي الاستاذة سهير مرات الاستاذ يوسف مراد"
أردف بذات النبرة : "ودي صوفيا الخادمة في الفيلا دي"

هززت رأسي موافقا، فغادر بعدها :
"استاذة سهير، طبعا انتي عارفة اننا هنبدأ الإستجواب دلوقتي واتمنى تقولي لي كل معلومة تعرفيها"
جلسنا بعدها..

بدأت قائلا بعد أن رمقتها بنظرة جادة : "من الواضح ان زوج حضرتك حصل له تسمم في زجاجة عصير مانجا كان بيشرب منها"

أومأت برأسها دون إجابة وما ان ذكرت زوجها حتى عادت تبكي وتشهق.

شعرت بإرتباك للحظات وبسرعة قلت : "لا لا خلاص، طب إهدي، ممكن حضرتك تقولي لي آخر مرة كنتي بيها مع المرحوم؟ وكانت الساعة كام؟"

"كنا في أوضة النوم، كان في مشكلة بسيطة كدا حصلت ما بينا، هو خرج متعصب وغضبان، فضلت انا بالأوضة بس خرجت بعدها بسرعة لما سمعت صوفيا بتصرخ، خرجت لاقيت يوسف مخنوق و واقع من على الكرسي والعصير على الطرابيزة"

هززت رأسي : "اممم.. في شهود على الكلام دا؟"

نظرت الى الخادمة وقالت : "صوفيا"
نظرت الى صوفيا فأومأت لي مؤكدة بصمت.
"طيب الساعة كانت كام لما اكتشفتوا الجثة؟"
"حوالي أربعة ونص وخمسة"
سجلت الأقوال المهمة ثم نظرت الى قدمها المصابة وقلت :
"خليني أخمن الإصابة دي من الخناقة صح؟"


إمتعض وجهها وعضت على شفتها السفلى بحسرة وأنزلت رأسها ولم تجب فتأكدت من تخميني مدركا انها كذبت حينما قالت -مشكلة بسيطة-.

فليست مشكلة بسيطة تلك التي يصل بها الأمر ان يضرب الزوج زوجته هكذا. ليست مصابة فقط في قدمها، فهناك أيضا علامات أصابع حمراء كانت ترتسم على وجنتها فأدركت انها صُفعت بقوة.

"مشكلة بسيطة؟"
لم تجب لكني أردفت.
"ممكن اعرف ايه سبب المشكلة؟"
تكشر وجهها فشعرت بعدم رغبتها في الإجابة لكن بعد تردد قالت :
"كنت بتكلم في الأوضة، هو يمكن سمعني ففكر اني بكلم واحد وبخونه والحوارات دي، حصلت الخناقة وهو اتجنن ودي أول مرة يتجرأ ويضربني كدا"

ثم عادت دموعها تنهمر مجددا وكأنني كلما تحدثت معها أضغط على زر فتح صنبور دموعها!.

استعجبت من الكلام للحظة فقلت :
"بس ازاي بس بمجرد مكالمة وكدا يقوم يشك فيكي كدا ويضربك بطريقة مجنونة زي دي؟"

صرخت منفعلة قائلة بينما دموعها تنهمر كشلال: "هو اصلا بقاله فترة بيشرب ويسكر، بقاله فترة بيجي يتهمني اني بخونه مع حد تاني، بقاله فترة بقى صعب مع الكل، انا اتخنقت وزهقت منه!"

هنا اتسعت عيناي للحظة، لقد قالتها بنفسها!. و لديها سبب يدفعها ان تتخلص منه وتقتله!. لكن كيف؟.

كلامها يدل على أنها لا تطيقه البتا ومدى الحقد الذي تكنه إتجاهه واضح كشمس ظهيرة!.

صمتت عند آخر كلماتها وكأنها تداركت حجم ما قالته للتو. إزدردت ريقي وقلت :
"طيب أستاذة سهير تقدري دلوقتي تروحي ترتاحي شوية وممكن هبقى اطلبك تاني، بس خليكي قريبة"

أومأت رأسها بإنكسار في صمت وغادرت.

●●●

"آنسة صوفيا"
جلست صوفيا أمامي التي لا تزال ملامحها جامدة.
"ايه اللي حصل بعد ما الأستاذ يوسف خرج من أوضة المدام؟ وكنتي فين وقتها؟"
"كنت في المطبخ بجهز الغدا وبغسل مواعين، كنت سامعة خناقتهم بس مدخلتش لأن البيه مش بيحب كدا، نده عليا وطلب مني إزازة العصير بتاعته فجبتها له، ورجعت كملت شغلي، بعدها بشوية حسيت ان فيه حاجة غلط فرحت أشوفه لاقيته ميت! فعلطول قمت صرخت"

"اممم... في شهود على كدا؟"
"لا"
"طيب ايه شكل علاقتك مع المرحوم؟"
"تقصد ايه يعني؟ هو صحيح بقا الفترة اللي فاتت أسلوبه صعب وبيسكر لكني محترمة حالي يا باشا ومش بعمل حاجة"

تعجبت من ردها ذاك، فزفرت منعقدا حاجباي في عدم إقتناع لكني دوَّنت في دفتري.

"اسلوبه كان صعب معاكي ومع الكل ولا بس مع المدام؟"
"لا يا باشا مع الكل، لدرجة انه اتهمني من شهرين اني اخدت فلوس منه رغم اني والله ما اخدت حاجة"

انعقد حاجباي :

"ايه موضوع الفلوس دا؟"
"أصل البيه بيقدس الفلوس وكأنها روحه، اول ما بيحس حاجة غلط في العد وفي الفلوس بيغضب وبيتجنن ووقتها عينك ما تشوف إلا النور يا باشا"

"طيب ومن امتى بدأت مشاكل البيه والمدام؟"
"بقالهم ست شهور، البيه عنده ضغوطات كتير في شركته فبيطلعها على دماغنا، بدأ يشك في الأستاذة سهر انه عارفة حد غيره وكدا فزود الضغوط عنده وبقى اكتر عصبية وغضب، دا غير انه بدأ يشرب وبدأت شركته تفلس شوية ودا اللي قالب مزاجه"

قلت أثناء تدويني لما قالته :

"ما شاء الله شكلك حافظة الأسرار زي كف إيدك، طيب يا صوفيا بقالك كم سنة بتشتغلي هنا؟"

إحمرت وجنتاها في حرج.. قالت :
"انا؟، اه ايوه بقالي ١٠ سنين من ايام ما كانو عرسان جدد يا باشا"

●●●

مرت ساعة ونصف. أنهيت الإستجواب فنظرت الى ساعة يدي كانت تشير الى السابعة مساء.

نظرت حولي لم أجد آسر. غريبة ان يغيب هذه المدة!. خرجت الى الصالة فوجدت رجال الطب الشرعي قد وصلوا والدكتورة نيفين بدأت عملها.

حسنا لم أهتم لهم وهممت بالبحث في بقية الغرف على آسر.. لم أجده في الغرف في بحثي الأولي، لكن أثناء سيري في الطرقة حتى لمحت طوله الأقصر مني داخل إحدى الغرف التي كنت قد بحثت فيها قبل قليل والذي كان بابها مواربا!.

دخلت الغرفة. كان صامتا ساكنا يدير ظهره الى الباب.

"اسر!"
إلتفت إلي في صمت، ملامحه هادئة وصامتة ولم أجد به أي أثر يدل على قلق او أي شيء آخر.

كأنه لم يغب عن مسرح قضية كأنه كان في نزهة قصيرة ولتوه عاد!.

إشتعلت حواسي غضبا لكني تماسكت وبهدوء قلت مقتربا : "كنت فين؟"
"انشغلت بحاجة بس كنت قريب، عرفت انك استجوبتهم، الضحية راجل أعمال مات مسموم"

"اسر دا مش موضوعنا انت كنت بجد فين انا مش قادر اصدق انك مكنتش حاضر مسرح الجريمة الوقت دا!"

إحتدت نظرته وقال بهدوء : "ما انت موجود يا براء وبعدين قلت لك كنت بتأكد من حاجة"

زفرت بضيق : "ماشي يا اسر براحتك، مشغول خلاص تمام مشغول"
إقترب وقال : "براء ما اقصد حاجة بس بعدين هبقى اقولك"

قالها بهدوء. هنا أدركت شيئا ما، صديقي لا شك انه يخفي شيئا لاحظت إختفاء لمعة عينه، كما ان هدوءه هذا مختلف عن الهدوء الذي أعرفه.

بالإضافة أني لاحظت إرتعاشة يده على كتفي. صمت، لست غاضبا. لكني منزعج أن أرى صديقي هكذا. صمته هذا جعلني أعود بذاكرتي الى الماضي.

"آسر في حاجة؟"
"لا، مفيش"
أردف مكملا : "مضايق بس"
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.