SalmaHamdy1

Share to Social Media

رواية : قضية الساعة الرابعة والنصف
سلسلة : رجال خلف العدالة - مغامرات التحقيق والإنسانية خلف الكواليس
الكاتبة : سلمى محمد
الفصل : ٧
ྀིྀི◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡ྀིྀི

عدنا الى القسم بعدها. عازمين اننا لن نفعل اي شيء إلا بعدما ننهي القضية.
جلس كلانا على كرسييه، فجأة دخل ضابط من الطب الشرعي، ما ان رأيناها حتى اعتدل كلا منا في جلسته تأهبا لما سيقول :
"حضرة الرائد اسر وبراء اكتشفنا قبل شوية ان الضحية ما كانتت اكلت قبل تسممها لمدة ٢٤ ساعة"
اتسعت عيني وقلت في غضب : "ازاي ما اخطرتوناش بحاجة زي دي؟"
نكس رأسه وقال : "معذرة يا فندم"

بعد ان خرج، فتح براء الدفتر بتركيز أعرفه عندما يخطر بعقله أمرا هام وقال :
"اسر بص..."

●●●
وافقت بعدها على خطة براء. رغم شعوري انها قد لا تكون منطقية فنحن لا نضمن ما ستقوله سهير في الاستجواب!.

وصلت الاستاذة سهير بعدما تم استدعاؤها. كان تحمل حقيبة يد سوداء صغيرة. ترتدي وشاح على رأسها.

أدخلها علي غرفة الإستجواب. جلس كلا مني انا وبراء امامها في وضع يشعر المستجوب بالمواجهة فيربكه ويعترف. وهذا أمر تكتيكي مدروس نتعمد فعله.

وضعت ساق على الأخرى وامسكت بدفتري ورمقتها بحدة. بينما براء يجلس بجواري على كرسييه ويبتسم بخباثة يراقب نجاح خطته.

"سهير كنتي فين الظهر امبارح؟"
لاحظت اتساع حدقة عينيها لكنها أجابت بثبات :
"كنت بالبيت"
"صوفيا كانت فين؟"
"كانت برا بتشتري طلبات"
"شربتي العصير بتاعك امبارح امتى؟"
تلعثمت وارتبكت لكن بهدوء قالت : "العصر"
احتدت نظرة براء نحوها، كلانا يعرف كذبها.

عدت بنظري الى الدفتر، شخبطت به بعض الخطوط وقلت :
"بس صوفيا قالت انك شربتيه الظهر"
شعرت بتجمد كتفاها، انحبست انفاسها للحظات قلت :
"شربتي العصير وعملتي ايه تاني؟"
اتسعت عيناها وصمتت للحظات ثم بصوت منخفض :
"معملتش حاجة"

لم اهتم بردها واستمررت بالضغط :
"شلتي السم فين بعد ما خلصتي؟"
صرخت : "بقولك معملتش حاجة"
لم نتأثر واكملت  بثبات :
"بقى كدا؟ طيب... احنا عارفين انك اللي قتلتيه وانك اللي حطيتي السم في ازازة عصيره وان دي عادة عندكم"

جحظت عيناها :"هي عشان عادة تبقى دليل إدانة؟"
اجاب براء : "اه"
اردفت سهير : "انا لو فعلا بكرهه لدرجة اني هقتله كنت هكرمه قبل موته وأأكله مش اتخانق معاه!"
هنا ابتسمت..

"عرفتي ازاي انه مكنش اكل قبل تسميمه؟"
اردفت واقتربت ورمقتها بنظرة مستفزة : "مفيش حد يعرف ان الضحية كانت جعانة غير احنا والطب الشرعي والقاتل"

ابتسمت بعدها. اتسعت عيناها في صدمة، مدركة انها لقد كشفت نفسها بنفسها بكل حماقة في لحظة ضغط وتوتر بنيتها انا وبراء بإحكام. نظرت لبراء فهز رأسه.

حسنا يمكنني ان اقول ان خطته نجحت.

قلت لبراء بصوت عالي يكفي ان تسمعه سهير بوضوح كي أستفز خلاياها أكثر.

"كدا دليل الاعتراف معانا، واكيد لو دورنا كويس في حاجتها هنلاقي السم اللي سممت بيه جوزها"
اومأ براء مكملا معي جلسة الإستفزاز واخراج الشخص عن الشعور :
"مظبوط مظبوط يا رائد اسر"

إلتفت الى سهير وقلت بهدوء :
"قتلتيه ليه؟"
بدأت تبكي ثم قالت :
"عشان يستحق، يستحق دا حكمه"
نظرت لبراء فوجدته لم يفهم مقصدها هو الآخر فأردفت سهير :
"قبل تلات سنين قتل اخويا" أردفت بعصبية قائلة : "وجزاء اللي يقتل يتقتل!"

صفعت الطاولة بجوارها بغضب دون مبالاة للأغراض التي عليها ورددت بهستيرية وعيناها قد إحمرتا وبدت تلمع من الدموع :
"وعشان ايه؟ عشان الفلوس! عشان الفوس!"

أردفت : "قتله عشان الفلوس، قتل اخويا عشان الفلوس ودفنه ومحدش منكم جاب حقي وحق اخويا اللي مات!"
أكملت قائلة :
"انتو الشرطة عاملين نفسكم بتجيبوا الامن وبتحموا الناس وانتوا اللي معرفتوش تجيبوا حق اخويا والقضية اتقفلت ضد مجهول!"


اغمضت عيني وفتحتها مجددا بهدوء، لا افهم عن ماذا تتحدث. ظلت تصرخ بهستيرية فاقترب مني براء وهمس : "شكلها تقصد (قضية منير) فاكره؟"

همست وعيناي لا تزالان عليها :"منير؟ لا"
"يبني من تلات سنين"
أردف وقال : "الشاب اللي كانت جثته ع الطريق السريع"
اتسعت عيني وقلت : "اه صح"

أكملت :
"بس مكنش فيه كاميرات ومعرفناش مين عملها"
أومأ فقط مؤيدا ما قلت.
عدت بنظري الى سهير وقلت :
"مين قال ان يوسف هو اللي قتله؟"
"انا عرفت، انا عرفت هو قتله عشان منير كان بيستلف منه فلوس ومقبل على فترة جواز.. شاف اخويا تقيل وانه هيفلسه فقتله ولبسه الكفن قبل البدلة!"

"عرفت من ست شهور ومن وقتها وانا بخطط لليوم اللي هسممه فيه واموته زي ما عمل باخويا"
"يعني انتي اللي قتلتي يوسف؟"


خرجت عن شعورها ما ان تلقت هذا السؤال، كنا نريد فقط تأكديها على فعلتها بنفسها، صرخت بغضب : "ايوه ايوه انا اللي قتلته واحسن يستاهل يستاهل حقير حيوان كلب فلوس!"

نظرت الى براء بعدها فأومأ لي، وكأن لنظراتنا الصامته تلك لغة خاصة لا يفهمها غيرنا.. ولا تحتاج الى حديث.

●●●

سجلنا اقوال المتهمة بعدها وتم القبض عليها. رتب براء بعدها الأوراق وجهز الملفات التي ستذهب الى النيابة كي يصدر الحكم المناسب على سهير ناصر.
ظللت بعدها واقفا في ساحة القسم الخارجية. تداعبني نسمات الهواء.

كانت ساعة يدي تشير الى الخامسة. الشمس في السماء تمثل كرة برتقالية مائلة الى الحمرة ملتهبة. العصافير تزقزق ولا اعلم لماذا؟، أهل هي سعيدة بهذه النهاية ام تندب وتنحب مع سهير على أخيها الذي توفى من ثلاث سنوات؟. فكرت للحظات متذكرا ملامح سهير الغاضبة في غرفة الاستجواب... سألت نفسي "هل ضغطت على جرحها ذاك كثيرا؟".


تنهدت مجيبا على سؤالي بأنه لا توجد نهايات سعيدة دائما، وان المجرم مهما كانت أسبابه النفسية فهذا لن يدافع عنه ولن تبرر جريمته. انا أؤمن دوما ان المجرم يجب رده للعدالة أيا كان الثمن وانه يجب ان يعاقب. فلا يوجد هناك سبب مبرر يجعلنا نتجاوز جريمة ازهاقه لروح حرَّم الله قتلها.

حتى وان كان يرى ان في هذا تطبيقا للعدالة فالتطبيق والحكم لا يكون بيده وليس تخصصه. أكره المجرم الذي يتبنى فكرة انه يجب عليه القتل من باب تنفيذ العدالة. وانه فعل ذلك بالنيابة عن القانون فيحلل لنفسه جريمته!.


لكن سهير؟. هي ضحية صدمة موت أخيها وأيضا قاتلة زوجها.

انه الانتقام.
●●●
خرج براء من القسم، عرفته من خطواته حتى قبل ان انظر اليه. 
"انت لسه واقف هنا؟"
"بتأمل"

صمت ولم يجب كأنه فهم انه وقت تفكير. أردفت :
"كله عشان الفلوس"
"فعلا، الفلوس عمت قلوبهم"
نظرت الى الأرض الى حذائي الجلدي الأسود وقلت مكملا :
"فمبقاش فيه انسانية"

"قتل اخوها عشان خاف على فلوسه، فقتلته منتقمه منه"
"صاحبه والدته تعبت ورفض يساعده في العملية وشاف انه طمعان بفلوسه"

"كسب فلوس ومعاه كسب كره اللي حواليه، مفيش حد كامل عنده كل حاجة حلوة"
"معاك حق"

ساد الصمت بعدها لكن براء كعادته قطعه وقال :
"طب ايه؟"
نظرت اليه وقلت : "ايه؟"
"احنا عملنا مجهود ولازم ناكل. اننا نخلص القضية بأقل من اربعة وعشرين ساعة دا انجاز"

ابتسمت وقلت :"انجاز ولا القضايا بقت سهلة ولا احنا اللي بقينا أذكى؟"
ربت على كتفي وقال : "مش ممكن يكون كله؟"
أردف بنبرة طفل متحمس لركوب لعبة : "يلا تحب نروح مطعم كباب ولا مطعم شاورما؟"

"اي حاجة الاتنين ميقولوش لا"

هممنا ان نتحرك لولا ان اوقفنا صياح اكرم بصوته الغليظ.
"على فين يا حلوين؟"
تأففت وقلت : "عاوز ايه؟"


ربع يداه وقال : "شايفكم بتتسكعوا كدا بقالكوا فترة، ايه رأيكم تيجوا تعملوا شهامة وتساعدوني بدل ما
انا بصيح لوحدي؟"
وضع براء يده على كتفي وهم ان نرحل وقال :
"لا معذرة قطعت صياحك ليه؟ روح كمل.."
"كدا يا بيبو؟"
إلتفت اكرم إلي وقال بنبرته المستفزة : "وانت يا مستر اسر هتروح معاه؟"

لم اجب واكتفيت بتكشيرة وانزعاج واضح من دلعه السخيف لأسمائنا.
رد بنبرة ممثل سخيف : "اوه.. نو.. اتنين على واحد دا حرام"

هنا تأكدت شكوكي ان اكرم لا شك انه قد شرب برطمان سخافة قبل أن يأتى ليفرغه علينا.
اردف وقال :
"لو ساعدتوني هعزمكم على احلى بطيخة"


رد براء بجفاء وعينيه دارت للاعلى في حركة تدل على عدم التصديق والاهتمام بالطرف المقابل.
"عندك اسد، ثم اياك تجيب سيرة البطيخ على لسانك تاني"
ثم رفع يديه في حركة متهم استسلم حينما يوجه السلاح نحوه وقال : "خلاص استستلمت، اموت واعرف ازاي بتاكل الكمية دي وبطنك لسة سليمة؟"

ابتسم اكرم ساخرا : "متقلقش انا بمية واحد من امثالكم"
انعقد حاجباي وقلت بجدية : "مالهم امثالنا يا سي اكرم؟"
أدار ظهره وهم ان يرحل وقال :
"مفيش بس بحسكوا بتبالغوا كتير ودراماتيكيين أوي، تصدقوا؟ لايق عليكوا لقب دراما كوين، عموما شكرا على مساعدتكم تعبتم نفسكم معايا يا رجالة"


لا أعرف لماذا ولكني شعرت بنبرة حزن خفية في حديث اكرم قبل رحيله. تأفف براء وقال متهجما :
"هو اكرم دا متخلف ولا انا بشوف غلط؟"
أومأت رأسي مؤكدا وقلت ولا تزال عيناي على ظهر اكرم الذي يختفي : "شكله كدا"


أردفت هامسا : "تقلبيات مزاجية حادة"

صمت براء ثم قال :
"طيب يلا بقا نروح ناكل؟"
"يلا"

●●●

وهكذا انتهى يومي انا وبراء بأن قررنا ان نكافئ انفسنا ونذهب الى تناول الكباب والمحاشي عند قصر الكبابجي في التجمع الخامس. سعادة براء لا توصف وكأنه لم يأكل منذ عام.

"حاجة مزعجة أوي ان الواحد يقضي العيد في حل قضية والشغل"
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.