رواية : قضية الساعة الرابعة والنصف
سلسلة : رجال خلف العدالة - مغامرات التحقيق والإنسانية خلف الكواليس
الكاتبة : سلمى محمد
الفصل : ٦
ྀིྀི◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡◡ྀིྀི
سألت : "انسه صوفيا تعرفي الاستاذه سهير كانت فين امبارح الظهر؟"
أومأت نافية وقالت : "لا يا بيه، كنت برا عشان هي كانت طلبت مني اروح اشتري شوية طلبات"
هززت رأسي كأني أحاول اقناع عقلي بالكلام. قلت :
"طيب تمام شكرا ليكي"
"العفو يا بشوات"
●●●
خرجنا بعدها انا وبراء من الفيلا. تثائبت ثم قلت :
"يبقى احنا كدا ايه؟"
"مفيش حل اكيد هي سهير"
"معاك حق"
وضعت يداي في جيبي وتبعت خطوات قدمي بنظري وقلت : "هنفترض كدا اولا.."
صمتت للحظات محاولا تجميع افكاري..
"نبدأ من وقت الظهر لحد ٤ ونص وقت ما مات"
"ايوه، سهير قالت لصوفيا تمشي تجيب طلبات."
"ايوه، ودا يمكن تكون مخططة له"
"فكدا سهير بقت وحدها في البيت"
"صح"
"وصوفيا قالت ان سهير شربت العصير وقت الظهر"
"صح"
"وهي عادتها تشربه مع زوجها العصر"
"ايوه"
"فكر بقا ليه عملت كدا تحديدا امبارح؟"
"عشان تسممه"
"صح عشان تقدر تحط السم في ازازة زوجها"
"صح، بس ليه تعمل كدا؟ وكمان...."
صمت وكأنه تذكر شيئا فقال : "ظبطتها. بنت اللذينه، عشان كانت اخر ازازة عصير فهي ضمنت انه هيشربها"
"ايوه"
"ولما جه زوجها هي كانت عارفة انه هيشربها، بس عارف؟ هي غلطت"
"في انها شربت ازازتها، لو كانت ما شربتها لما كنا شكينا بيها يمكن"
وضع يده على ذقنه وأومأ مؤكدا.
"جت الساعة اربعة كان يوسف خلص خناقته مع مصطفى، رجع البيت غضبان وشك في زوجته انها بتخونه، اكيد شاف او عرف حاجة فدخل بمشكلة تانية معاها"
"ايوه، ضربها وخلص وراح الصالة قعد وطلب العصير وبعدها ودع"
"في الوقت دا صوفيا بتكون في المطبخ وسهير في غرفتها مضروبة بس هي عارفة خلاص انه اخر مرة هتشوفه"
"ايوه بالظبط"
"تصدق بالله؟ حاجة قمة الندالة، بس اكيد لازم يكون في دليل اقوى احنا كدا عرفنا المجرم بس مفيش دليل يدينها عشان تتحاكم"
ابتسمت وقلت : "هي اه لعبت على الأدلة وضللتنا بصوفيا بس المجرمين اللي زيها ملهمش حل غير انهم يعتر..."
"اسر حاسب!"
لم اكمل جملتي، فجأة كان براء قد سحبني من ذراعي ناحيته. سقطت قبعتي وفي ذات الوقت شعرت بهواء محرك سيارة كان قريبا مني على بعد سنتيمترات. صوت قوي دوى في فضاء الشارع. تراب انتشر في الجو للحظة. تطايرت خصلات شعري بفعل الرياح.
سيارة مجنونة نبيتية اللون كانت مسرعة على طريق فارغ وكادت تأخذني معها!.
في البداية لم اكن مستوعبا ما حدث، حدثت كل تلك الأمور في لحظة سبقت قدرة العقل ان يستقبلها او يعالجها فشعرت كما لو ان الزمن كان قد توقف للحظات. أخذت كابي ورمقت براء نظرة نارية غير مستوعب الامر.
شعرت بدوار لحظي فقال براء :
"انت كنت ع الحافة وتودع انت الاخر!"
"دا مين المتخلف اللي بيجري بسرعة زي دي في مكان زي دا؟"
مد لي يده يساعدني على النهوض، فاستوعبت اني لا ازال جالسا على الارض. نهضت ونفض ترابا كان على ظهري وقال :
"الحمدلله انت كويس صح؟"
أردف وقال : "هنجيبه، مش هتتعدى، دا كان زي ما كأنه قاصدها!"
كان يحاول إخفاء هلعه، لكني لاحظت يده كانت ترتجف اثناء تربيتته على كتفي، لم تكن تربيته وفقط، بل بدت كما لو انه يحاول ان يعيد اتزانه. شعرت بإمتنان وابتسمت في داخلي.
تنهدت فقلت : "خلاص كله تمام"
اكملنا السير بعدها، لاحظت انه وضع يداه في جيبيه. لم أعلق وظل الصمت سائدا، ليس بثقيل وانما بجميل.
ليست اول مرة يحميني بها براء. اتذكر الآن تلك المأمورية التي طلعناها معا منذ سنتين....
~~~
كان الجو حاراً ذلك اليوم. حاراً بطريقة غير طبيعية، كما لو أن الشمس قررت أن تنزل إلى الأرض لتحرق كل شيء.
أتذكر أن عرقاً كان يتصبب من جبيني، لدرجة أن قبضتي كادت تنزلق من على مسدسي.
كنا في مداهمة لأحد أوكار تجار المخدرات في منطقة نائية. معلومات وردتنا قبل يومين عن شحنة كبيرة قادمة، وكان لزاماً علينا أن نضرب قبل أن تخرج.
اللواء حسام قاد العملية بنفسه. فرق الاقتحام توزعت، وأنا وبراء كنا معاً، كالعادة. كنا الظل لبعضنا البعض.
المنزل كان مهجوراً من الخارج، لكن من الداخل كان عريناً للجرذان. ثلاثة طوابق، ممرات ضيقة، وغرف لا نهاية لها.
دخولنا كان سلساً في البداية، أكثر من اللازم. وهذا ما جعلني أشعر بالقلق. تقدمت أنا أولاً، وبراء خلفي يغطيني. كنت أعرف أنه هناك، حتى دون أن أنظر إليه.
مجرد وجوده كان كفيلاً بأن يجعل قلبي يهدأ قليلاً.
تذكرت كم كان خائفاً في أول مداهمة له. يداه كانت ترتجفان، وصوته عندما تكلم كان مبحوحاً. ضحكت عليه وقتها.
أما الآن؟ الآن هو أكثر من يغطيني، وأنا من أشعر بالأمان لوجوده خلفي.
كنت أمسك بمسدسي، أشير به إلى اليمين ثم اليسار. عدنا ننزل سلماً خشبياً قديماً يئن تحت أقدامنا.
في الطابق الأرضي كانت هناك قاعة كبيرة، مظلمة، تفوح منها رائحة التبغ والرطوبة.
وفجأة، رأيت حركة. رأس أصلع كبير يطل من خلف طاولة مقلوبة. ثم آخر. ثم آخر.
"مباحث! محدش يتحرك!" صرخت.
لكن الرد كان وابلاً من الرصاص.
انحني خلف جدار خرساني، وبدأت أطلق النار تجاه مصدر الطلقات. الوضع كان فوضاوياً. الرصاص يتطاير في كل اتجاه، وشظايا الخرسانة تتطاير في وجهي. كنت أركز على الهدف أمامي، أحاول أن أحصي عددهم، أحاول أن أجد ثغرة.
خلال كل هذا، كنت أسمع صوت براء خلفي. طلقاته كانت منتظمة، باردة، محسوبة. هو دائماً كان أكثر هدوءاً مني في المعارك.
اندفع أحد المهاجمين تجاهي من جهة اليسار، فأدرت مسدسي بسرعة وأطلقت النار عليه. سقط وهو يصرخ.
سمعت صوت طلقة تأتي من الخلف، فجأة، شعرت بفراغ.
ليس فراغاً حولي، بل فراغاً في داخلي. إحساس غريب، كأن كل شيء توقف للحظة. ثم شعرت بشيء يهوي عليّ من الخلف.
لم أفهم ما حدث في البداية.
كل ما أتذكره أن جسماً ثقيلاً سقط عليّ من الخلف، دفعني بقوة إلى الأرض بخشونة وعنف. أنَّت عظامي للحظات، فتحت عيني فشعرت بدوار وأذناي تصفران، لست انا المصاب جسدي بخير.
نظرت مجددا..
كان براء.
لقد قفز عليّ من الخلف. غطاني بجسده كأنه درع بشري.
شعرت بيديه تلتف حولي من الكتفين، وكأنه يحتضنني.
كانت قبضته شديدة لدرجة أني شعرت بألم في ذراعي.
ولكن الألم الحقيقي جاء بعدها بثانية.
شعرت بشيء دافئ، رطب، يتسرب من فوقي. شيء ثقيل يقطر على يدي، على رقبتي، على قميصي.
الدم. كان دماً. دم براء.
تصلبت أوصالي. لم أعد أسمع الرصاص. لم أعد أرى المهاجمين. لم أعد أشعر بأي شيء سوى هذا السائل الأحمر اللزج الذي يغمرني.
"بـ... براء؟"
همستها بصوت مبحوح، صوت لم أتعرف عليه!. لم أستطع أن أصرخ. حلقي تقلص كأن أحدهم يخنقه.
حاولت أن أتحرك، أن أنفضه عني كي أراه، لكنه كان ثقيلاً. ثقيلاً بشكل لا يحتمل. جسده كان متيبساً، وعضلاته مشدودة كالحجر.
وبراء لم يتحرك من عليّ.
"براء!" هذه المرة صرخت. حاولت أن أبعده لأراه، وعقلي يرسم سيناريوهاته البشعة. لكن وجهه كان مدفوناً في كتفي، وشعره كان يلامس خدي.
حاولت أن أخرج من تحته. دفعته بيدي برفق لكن تجمدت متوقفا للحظة ما ان وجدت يدي تغوص في أعماقه، يدي بأكملها تلونت بدمه، ابعدت يدي وكأني إرتكبت جرما. أمسكت بذراعه. وعندما رأيته، توقفت نبضات قلبي لوهلة.
براء كان شاحباً. شاحباً كالورق الأبيض. شفتاه كانتا مزرقتين، وعيناه نصف مغمضتان. لكنه كان واعياً. كان ينظر إليّ. نظرته كانت غريبة. هادئة. مطمئنة. كمن ودّع الحياة بالفعل. كان ساكنا لا يستطيع على أي الحركة..
وعلى صدره، على الجهة اليسرى تحديداً، بقعة حمراء تكبر كل ثانية. القميص تمزق حولها، واللحم كان مفضوحاً. ثقب أسود صغير لكنه قاتل.
"براء... لأ... لأ يا براء..." تمتمت وأنا أحاول أن أضغط على الجرح بيدي. لكن الدم كان يخرج من بين أصابعي كالنافورة. كلما ضغطت، ازداد غزارة. وكأن أحدهم فتح صنبورا ونسي ان يغلقه!.
كانت الرصاصة قريبة جداً من الرئة. قريبة جداً من القلب.
"أنت مجنون؟! أنت مجنون يا براء!" صرخت فيه. عيناي كانتا تدمعان بغزارة لدرجة أني لم أعد أراه بوضوح، يدي ترتجف لكنها كانت تعرف طريقها الى صدره، اضغط على الجرح محاولة بائسة ان أوقف النزيف.
"ليه؟! ليه عملت كدا؟!"
تنفس براء بصعوبة. شهيق قصير، ثم زفير أطول. صدره كان يرتفع ببطء، كأن الهواء لم يعد يجد طريقاً سهلاً إلى رئتيه.
فتح شفتيه، لكن الصوت الذي خرج كان بالكاد مسموعاً. همساً أجشاً.
"ك...نت... هتت..ضرب.."
ابتسم. ابتسامته البلهاء المعتادة. حتى وهو ينزف بين ذراعي.
"أنت... عبيط... عبيط يا براء..وانت مالك؟..." بكيت. بكيت كطفل. بكيت بدون توقف. "ما تموتش... ما تموتش قدامي... أرجوك... متعملهاش فيا"
"ان..ت صاحبي.... و....اخويا..كان لازم..."
لم يستطع ان يكمل..
رفع يده المرتعشة بخفة، لمس بها خدي. أصابعه كانت باردة. باردة جداً.
"متقلقش..." قالها بصعوبة، ثم سعل. وكحة خفيفة، لكنها أخرجت قطرات من الدم من فمه. "انا كويس.... الشغل... لازم تمسكه."
"لا انت مش كويس، بص كويس انت فرشت الارض بدمك"
دمعت عيناي أكثر. حاولت حمله، كان ثقيلا، ليس وزنا.. ولكن ربما انا من ضعفت حينها، لم أعد قادراً على الوقوف حتى..
"لا.. لا مش هسيبك.. مش هسيبك دلوقتي.. إسعاف! حد ينادي إسعاف، إسعاف بسرعة يا مجانين!"
رفعت رأسي أصرخ في الفضاء. لكن صوتي ضاع بين دوي الرصاص الذي لا يزال مستمراً في مكان ما بعيد. يبدو أن المعركة لم تنته بعد. لكني لم أعد أهتم. كل ما كنت أراه هو براء. عيناه بدأت تهدأ، ورموشه تثقل. تنفسه أصبح أضعف، أبطأ.
"براء.. بصلي.. ما تغمضش عينيك.. ما تنامش"
مسكت وجهه بكلتا يدي. دمه كان يلطخ أصابعي، وجهي، ملابسي. المكان بأكمله كان يتحول إلى بركة حمراء.
"براء.. اسمعني.. ما تنامش.. ما تنامش يا صاحبي... الاسعاف هيجي حالا... ما تخافش"
أردد كلماتي بهستيرية وقلبي يدق بقوة كأنه سيتوقف قبله في أي لحظة. لكن عينيه كانت تغلق ببطء. جفناه كانا ثقيلين، كمن يحاول مقاومة نوم عميق. تنفس آخر مرة. شهيق ضعيف جداً. ثم صدره لم يعد يرتفع.
"براء!"
صرخت باسمه. دفعته بقوة. لكنه لم يتحرك. نظرت إلى وجهه. كان هادئاً. هادئاً بشكل غريب لم أره هكذا من قبل. كأنه نام. كأنه في سلام لا أراه.
لا.لأ. لا يمكن أن يكون..
كلتا يداي وضعتهما على صدره. بدأت أضغط. مرة. مرتين. ثلاث مرات. كل الضغطات تخرج المزيد من الدم من جسده.
"اصحى.. اصحى يا براء... ارجعلي..."
كنت أجهش بالبكاء وأنا أضغط على صدره. ركبتاي في دمه. يداي في دمه. وجهي كله في دمه. تذكرت كل شيء. كل لحظة جمعتنا. كل مرة وقف فيها بجواري. كل مرة أنقذني فيها من نفسي قبل أن ينقذني من الرصاص. وبكيت.
بكيت على صديقي. على أخي. على الشخص الوحيد في هذا العالم الذي فهمني دون كلمات.
فجأة، شعرت بيد تخف على كتفي. رفعت رأسي. أحد رجال القوة الخاصة كان يقف بجواري.
"النقيب... هاتوه هنا..."
رفعوا براء بحرص. أخرجوه من بين ذراعي. نظرت إلى يدي، نظرتي مشوشة وكأنني انظر من خلف زجاج مضبب. كانتا حمراء بالكامل. حمراء بدم براء. دم براء الذي ضحى به من أجلي.
وبقيت، جاثياً على ركبتي، في بركة من الدماء التي تخص أعز الناس إليّ.
بكيت. بكيت كطفل فقد أعز ما يملك.
تسائلت...
كيف يمكن لشخص واحد ان يملك كل هذا الدم؟
وكيف لصديق ان يحتوي كل هذا الحب؟
~~~
قطع سيل ذكرياتي لمسة يد براء لكتفي.
"في حاجة؟ انت كويس؟ اتخبطت؟"
إلتفتت اليه، لا اعلم ولكني ظللت صامتا ولم أرد. تأملته للحظات وانهمرت دموعي مجددا عاجزا عن الاجابة وكأنني عشت ذاك اليوم مرة اخرى للتو.
انتقلت بنظري الى موضع اصابته التي تحولت الآن الى ندبة غائرة قبيحة جميلة.
جميلة لانها ستذكره يوميا انه شجاع تحمل الم كهذا في سبيل الحماية. اظنه علم ما افكر به عندما تابع نظرات عيناي.
اقترب وهمس : "اسر؟"
"انت كل مرة بتحميني، شكرا"
ربت على كتفي بمرح، ابتسم وقال :
"بتشكر على ايه؟ ياض انت اخويا"
وقف امامي وربت على كتفاي ونظر في عيناي بجدية كأنه سيقول سر مهم :
"مفيش شكر بينا"
لا أدري ولكني بدون تفكير بفعل التأثر الناتج من الذكرى ومشاعري، اندفعت وعانقته. توقف مندهشا للحظات قبل ان ينزل يداه بهدوء ويضعهما على كتفاي ليبادلني الحضن.
"لسه بتوجعك؟"
صمت للحظات وكأنه يفكر ينتقي ما سيقول :
"شوية، وقت البرد و وقت المجهود"
"اسف"
"على ايه؟.. انا الى رميت نفسي عليك وقتها.. وعلى فكرة.... مش ندمان"
حسنا كيف ارد على كلمات مثل هذه؟ لم استطع لكني اكتفيت فقط ان شددت من ضمتي له للحظات قبل ان افصل العناق.
●●●